الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

العدول بالمغرب… جنود التوثيق الصامتون بين الهيبة القانونية والتحديات المجتمعية

ضربة قلم

في زمن التغيرات المتسارعة، حيث تزداد الحاجة إلى الأمن القانوني والثقة في المعاملات، يبرز العدول في المغرب كأحد الأعمدة الصلبة التي تحرس الأمن التوثيقي الشرعي والموثق منذ قرون. إلا أن هذه المهنة، ذات الجذور العميقة في الفقه المالكي والتاريخ القضائي المغربي، تعاني من نظرة دونية أحياناً، ومن غبش في التمييز بينها وبين مهن قانونية أخرى كالتوثيق العصري.

إن مهنة العدالة ليست مجرد وظيفة، بل خطة ذات طابع شرعي وقانوني، يؤطرها القانون 16.03 والمرسوم التطبيقي له، وتخضع لمراقبة صارمة من قبل وزارة العدل، ما يجعل العدول فاعلين أساسيين في صناعة الثقة، وتثبيت الحقوق، وإثبات العقود الشرعية والمدنية، وعلى رأسها الزواج، الإرث، الاعتراف بالنسب، التوكيلات، وحتى حالات اعتناق الإسلام.

ولولوج هذه المهنة، يخضع المرشحون لشروط دقيقة واختبارات علمية ومهنية صارمة، لا تقل في مستواها عن شروط ولوج مهن القضاء أو التوثيق العصري. بل إن من العدول من يحمل شهادات دكتوراه ويضطلعون بمهمات لا يقدر عليها إلا من جمع بين الدراية الشرعية والدقة القانونية والاحتراف الإداري.

العدول والموثقون… اختلاف في الاختصاص لا في القيمة

لا يجوز البتة إهانة مهنة العدالة أو التقليل من شأنها تحت ذريعة “العصرنة”، فالموثق العصري والعدل ليسا خصمين، بل جناحان متكاملان في منظومة التوثيق. العدل مختص أساساً في التوثيق ذي الصبغة الشرعية والاجتماعية، بينما الموثق يتدخل في المعاملات العقارية والمالية، لكن كلاهما يمارس دوراً دستورياً في ترسيخ سيادة القانون. المقارنة غير المنصفة بين المهنتين تُعبر عن جهل بالاختصاصات وليست دعوة للتطوير.

الدفاع عن العدول: قانون ومنطق

لا بد من التأكيد أن العدول لا يحررون وثائق عشوائية، بل يخضعون لمسطرة دقيقة تشمل التلقي، التحرير، الأداء أمام القاضي المكلف بالتوثيق، والخطاب القضائي النهائي، دون أن ننسى مسؤوليتهم المدنية والأخلاقية عن الوثائق لسنوات.

كما يتقاضون أجورهم وفق تعريفة مضبوطة، وتُمارس عليهم رقابة إدارية وقضائية مزدوجة، ما يجعل من فكرة “الفوضى” أو “العبث” التي يروج لها البعض ظلماً لا أساس له.

يُساء العدول في كثير من الأحيان في وسائل التواصل أو حتى من قبل بعض المتعاملين الذين لا يفرقون بين الخطأ الإداري البسيط والخطأ المهني الجسيم، رغم أن القانون ينص على مسطرة تأديبية صارمة تصل إلى المتابعة أمام محكمة الاستئناف.

نحو رؤية متكاملة: العصرنة دون طمس الهوية

لا أحد يرفض تطوير مهنة العدالة، فالرقمنة والتكوين المستمر والتنسيق مع باقي المهن القانونية ضرورة لا بد منها، لكن التطوير لا يعني الإلغاء، ولا العصرنة تعني الإقصاء. العدول يمثلون هوية قانونية مغربية أصيلة، لها دور اجتماعي وروحي وثقافي، لا تملكه أي مهنة أخرى.

كلمة أخيرة

كفانا تهميشاً أو سخرية مبطنة من هذه المهنة الشريفة، فهي ليست بديلاً تقليدياً لمهن “أرقى”، بل هي دعامة من دعامات العدالة القانونية والاجتماعية.

وعلى الدولة أن تُعزز من إشعاع خطة العدالة إعلامياً وتكوينياً، وعلى المجتمع أن يُنصف من يخدمونه في صمت. فالعدول ليسوا من الماضي، بل من صُنّاع الاستقرار في الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.