العرب: أمة تحب الماضي وتكره المستقبل!

ضربة قلم
في زحمة هذا العالم المتسارع، تقف الأمة العربية كما لو أنها تائهة في مفترق طرق، لا تدري إن كانت تسير إلى الأمام، أم تدور في نفس الحلقة منذ عقود. لا شك أن العرب، كمفهوم ثقافي وتاريخي وجغرافي، لا يزالون يحتفظون بجذور عميقة، لكن الثمار التي تُجنى اليوم لا تشبه، لا من قريب ولا من بعيد، ما كان يُبشر به التاريخ، أو ما توهّمه الخطاب القومي في لحظاته الذهبية.
العرب ليسوا “كتلة واحدة”، رغم اشتراكهم في اللغة والدين والتاريخ. إنهم موزعون بين دول نفطية غنية تُعاني من فائض السيولة ونقص في الرؤية، وأخرى فقيرة تُصارع من أجل البقاء في خضم أنظمة منهكة وفئات حاكمة تسكن خارج سياق شعوبها. من الخليج إلى المحيط، تتنوع الصور وتتناقض: أنظمة صارمة، جمهوريات وراثية، برلمانات مشلولة، وأحزاب تُعيد إنتاج الأوهام.
أين المشكلة؟
ليست المشكلة في “العقل العربي” كما يُروّج البعض، ولا في الدين، ولا في الاستعمار فقط. إنها في ذلك المزيج السام من الخوف، والجمود، وعبادة الرموز. في ثقافة تراثية تختلط فيها البطولة بالشعر الجاهلي، والنقد بالتخوين، والسلطة بالمقدس.
المواطن العربي — في أغلب الأحيان — لا ينتخب من يحكمه، وإذا انتخب، لا يحاسبه. لا يثق في المؤسسات، ولا في القضاء، ولا في الإعلام، ولا حتى في جاره. يعيش بين تطرفين: إما الحنين إلى الماضي، أو الارتماء في حضن الخارج، وكأن لا شيء صالحًا يمكن أن يأتي من الذات.
ومع ذلك…
ورغم كل هذا، لا يمكن تجاهل أن في العالم العربي شيئًا نابضًا، شيئًا لا يموت. الشباب، بالرغم من الإحباط، لا يزالون يحلمون، يبدعون، يهاجرون إن استطاعوا، أو يبتكرون حلولهم في هامش البؤس. هناك من يبني شركات ناشئة في بيروت، ومن يؤلف موسيقى في الرباط، ومن يبرمج تطبيقات في الخرطوم، ومن يكتب روايات في بغداد رغم الرصاص.
هناك مقاومون للفشل، لا يحبون الأضواء، ولا يظهرون في نشرات الأخبار. هؤلاء هم العرب الذين لا يزالون يستحقون الرهان.
المعادلة الصعبة
العرب اليوم لا تنقصهم الثروات، بل تنقصهم الثقة بأنفسهم. لا يفتقرون إلى الذكاء، بل إلى مؤسسات تحميهم وتنمّيهم. لا يحتاجون إلى دروس من الغرب بقدر ما يحتاجون إلى مصالحة مع الواقع، والاعتراف بالعلل، والبدء من جديد بلا أوهام.
نعم، العرب خُدعوا كثيرًا: بخطب الزعماء، وببيانات القمم، وبوعود الأحزاب، وبمقاطع “الوحدة المصيرية” التي تفتّتت أمام أول امتحان حدودي. لكن ليس شرطًا أن تستمر الخدعة.
الخلاصة
أن تكون عربيًا اليوم هو أن تحمل على ظهرك تاريخًا مُشرفًا، وواقعًا مؤلمًا، ومستقبلًا غير محسوم. هو أن تتأرجح بين الفخر والحسرة، بين الحلم والخذلان.
لكنك، رغم كل شيء، تظل مؤهلًا للقيام من جديد… بشرط أن تواجه الحقيقة، لا أن تزيّنها.




