العزلة الاجتماعية في الأحياء الشعبية: عندما يصبح الزحام ستارًا للوحدة

ضربة قلم
في المغرب، كثيرًا ما يُختزل مفهوم العزلة في صور المسنين الذين يعيشون بمفردهم أو الأشخاص في القرى النائية، لكن هناك شكلًا آخر أكثر خفاءً للعزلة: عزلة وسط الزحام، عزلة يعيشها الآلاف في قلب الأحياء الشعبية المزدحمة، حيث تحيط بك الجدران والوجوه… دون أن يحاورك أحد.
في هذه الأحياء، قد يبدو المشهد من الخارج طبيعيًا، بل حيويًا: أصوات الباعة، صراخ الأطفال، دراجات تمر مسرعة، وروائح الخبز الطازج تنبعث من المخبزات.. لكن خلف هذه الحيوية المزعومة، يعيش كثير من الأفراد—خصوصًا النساء، الشباب العاطلين، والمسنين—حالة صامتة من العزلة النفسية والاجتماعية.
الأسرة لم تعد ذلك الحضن الواسع كما في السابق. فالكثير من البيوت تحوّلت إلى جزر مغلقة. يشتغل الأب في الصباح ويغرق في هاتفه مساءً، وتُدمن الأم التلفاز أو أعمال البيت، ويغوص الأبناء في عوالم رقمية خاصة. لا حديث، لا جلسات، لا دفء.
وتكمن المأساة في أن المجتمع لا يعترف بهذه العزلة؛ بل يعتبر من يشتكي منها “مدللًا” أو “غير شاكر”. حتى الأئمة والخطباء نادرًا ما يتطرقون لهذا النوع من المعاناة النفسية، رغم أنها قد تقود إلى الاكتئاب، والإدمان، والانتحار.
والمفارقة أن هذه العزلة تنمو أكثر في الأحياء التي يُفترض أن تكون “مجتمعية”، حيث يعيش الناس في ترابط مكاني شديد، لكن في انفصال شعوري تام.
أليس حريًا بنا، كمجتمع، أن نعيد التفكير في معنى القرب؟
أليس من الواجب إعادة إحياء أشكال بسيطة من التواصل: كجلسة شاي جماعية، أو زيارة مفاجئة لصديق، أو حتى تحية عابرة لا يُراد بها شيء سوى الكلمة الطيبة؟




