
العربي الحمداوي
من بين الظواهر الاجتماعية المسكوت عنها، أو بالأحرى التي نتحدث عنها همسًا في المقاهي والبيوت دون أن نسمّيها، تبرز ظاهرة طول العزوبية أو الإضراب عن الزواج، سواء عن قناعة أو عن واقع فرض نفسه. لم يعد العزوف عن الزواج حالة نادرة، بل أصبح مشهدًا يتكرر في كل بيت تقريبًا: شاب تجاوز الثلاثين أو الأربعين، وامرأة بلغت نفس العتبة دون أن تدخل تجربة الزواج، لا لأنها لم ترغب، بل لأن الظروف كانت أقوى من الرغبة.
في الماضي، كان الزواج “ضرورة اجتماعية”، خطوة مفروضة لإثبات النضج وتحقيق الاستقرار، بل كان يُنظر إلى العزوبية كعلامة نقص. أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء؛ أصبح الزواج مشروعًا مُكلفًا، محفوفًا بالقلق والتردد، يتطلب من الشاب حسابات مالية ومن الفتاة صبرًا طويلًا وانتظارًا قد يمتد لسنوات. الغلاء، البطالة، ضعف السكن، وارتفاع التطلعات المادية، جعلت الباب يُطرق على استحياء، وأحيانًا لا يُطرق أبدًا.
من “العزوف” إلى “الإضراب”
التحوّل الأخطر هو أن بعض الشباب لم يعودوا يرون الزواج أولوية، بل يعتبرونه مخاطرة غير ضرورية في زمن فقد فيه الاستقرار معناه. فهناك من يتحدث عن الحرية الفردية، ومن يرى أن الارتباط أصبح عبئًا، ومن عاش تجارب فاشلة جعلته يعلن إضرابًا داخليًا عن فكرة الزواج نفسها.
تغيّرت المفاهيم: لم يعد “العازب” ينتظر النصيب، بل يعيش حياته بطريقته، يسافر، يعمل، يستهلك، وربما يملأ فراغه بعلاقات سطحية، دون أن يغامر برهن نفسه لعقد “قد لا يصمد طويلاً”.
الطلاق الطويل.. عزوبية من نوع آخر
ثم هناك الفئة التي تزوجت فطلقت، وبقيت هكذا إلى أجل غير مسمّى. هي عزوبية من نوع آخر، أكثر تعقيدًا، لأنها محمّلة بذكريات، وخيبات، وأحيانًا بأبناء يربطون بين ماضٍ لم يكتمل وحاضرٍ لا يريد أن يبدأ.
كثير من المطلقين والمطلقات يجدون أنفسهم في منطقة رمادية: لا هم متزوجون ليستقرّوا، ولا هم أحرار تمامًا لينطلقوا. يخافون من تكرار التجربة، ومن المجتمع الذي لا يرحم أحكامه.
مجتمعٌ تغيّر… لكن بقيت النظرة القديمة
المفارقة أن المجتمع نفسه يعيش تناقضًا:
-
يلوم العازب على تأخره في الزواج، لكنه لا يقدّم له أي شروط تساعده على الإقدام.
-
ينتقد المطلقة على وحدتها، لكنه ينسى أن التجربة، كانت كلفة مؤلمة دفعتها بحثًا عن الكرامة أو السلام النفسي.
-
يرفع شعار الأسرة والقيم، بينما لا يوفّر أمانًا اقتصاديًا أو نفسيًا يضمن استمرارية هذه الأسرة.
بين واقعٍ خانق وأملٍ مؤجل
في النهاية، يمكن القول إن طول العزوبية أو الإضراب عن الزواج ليس خيارًا بسيطًا، بل مرآة لعصرٍ مضطرب؛ عصر يعيد تعريف العلاقات، والأدوار، ومعاني الالتزام. فالعزوبية لم تعد دائمًا دليل عزوف، كما أن الزواج لم يعد ضمانًا للسعادة. إنها حالة اجتماعية مركّبة، تختصر ما نعيشه من توتر بين الرغبة في الاستقرار والخوف من القيود، بين البحث عن شريك الحياة والبحث عن الذات أولاً.




