لم يعد الحديث عن أزمة الماء في المغرب، مجرد نشرة جوية تُختتم بعبارة “والله يرحمنا”، ولا مجرد تذمّر موسمي، يُستدعى مع تأخر الغيث. نحن اليوم أمام مفارقة حقيقية: بلد عرف، في فترات قريبة، تساقطات مطرية، لم يشهدها منذ سنوات، ومع ذلك… لم يختفِ القلق، ولم يتبدد الإحساس بالعطش.
هنا يبدأ السؤال الذي يرفض أن يُؤجَّل:
إذا كانت السماء قد جادت، فلماذا الأرض لا تزال عطشى؟
في الظاهر، يبدو الأمر متناقضًا. أمطار غزيرة، سيول في بعض المناطق، وسدود ترتفع نسب ملئها نسبيًا. لكن في العمق، يتضح أن هذه التساقطات، رغم أهميتها، لم تكن كافية لإعادة التوازن المائي. لأن المشكلة، لم تعد فقط في قلة المطر، بل في طبيعة هذا المطر، وكيفية استقباله، ثم طريقة تدبيره.
جزء كبير من هذه الأمطار، أصبح يسقط في شكل زخات قوية ومركّزة، تجرفها الأودية بسرعة، نحو البحر بدل أن تتسرب إلى الفرشات المائية. تربة أنهكها الجفاف لسنوات، تفقد قدرتها على الامتصاص، وحرارة مرتفعة، تلتهم ما تبقى عبر التبخر. هكذا، تتحول نعمة السماء أحيانًا إلى “فرصة ضائعة”، بدل أن تكون رصيدًا استراتيجيًا.
أما السدود، التي كانت يومًا مصدر طمأنينة جماعية، فقد أصبحت اليوم مقياسًا للقلق. نعم، قد ترتفع نسب الملء بعد التساقطات، لكن سرعان ما يُعاد طرح السؤال: إلى متى؟ لأن الاستهلاك مرتفع، والعجز المتراكم من سنوات الجفاف لا يُمحى بسهولة. ثم إن المغرب، ليس كتلة مائية واحدة؛ هناك مناطق استفادت، وأخرى لا تزال تعيش على هامش هذه “النعمة”، ما يعمق الفوارق المجالية.
لكن، بعيدًا عن السماء وتقلباتها، يبرز سؤال أكثر جرأة:
هل المشكل في الماء… أم في طريقة تدبيره؟
هنا تنتقل الأزمة من الطبيعة إلى السياسة، ومن المناخ إلى الحكامة.
الفلاحة، وهي ركيزة أساسية في الاقتصاد، تستهلك نصيبًا كبيرًا من الموارد، خصوصًا في أنماط إنتاج موجهة للتصدير. المدن تتمدد، والصناعة تحتاج، والشبكات في بعض الأحيان تُهدر قبل أن توزّع. في المقابل، المواطن البسيط يجد نفسه، مدعوًا إلى “الترشيد”، وكأن المسؤولية تبدأ وتنتهي عند صنبور منزله.
ومن هنا، يتسلل السؤال الأكثر حساسية، ذاك الذي لا يُطرح بصوت عالٍ دائمًا، لكنه حاضر في الوعي الجماعي:
هل يُوزَّع الماء بعدل؟
بين ضيعات كبرى خضراء في عزّ الجفاف، وأحياء تعيش على ضغط ضعيف أو انقطاعات متكررة، يتشكل إحساس غير مريح. بين مشاريع فلاحية، تستهلك ملايين الأمتار المكعبة، ومواطن يبحث عن ماء يكفي يومه، تتسع فجوة الثقة. هنا، لا يعود النقاش تقنيًا، بل يتحول إلى نقاش أخلاقي: من له الأولوية في مورد هو أساس الحياة؟
الأخطر أن الماء، لم يعد فقط قضية بيئية أو فلاحية، بل أصبح قضية اجتماعية بامتياز.
انقطاع أو ضعف التزود في بعض المناطق، ارتفاع الفواتير، توتر يومي صامت بين الحاجة والندرة… كلها مؤشرات على أن الأزمة تتجاوز الطبيعة لتلامس الإحساس بالكرامة والإنصاف.
ثم يأتي العامل الذي يعقد الصورة أكثر: التغير المناخي.
لم نعد أمام مواسم واضحة، بل أمام منطق جديد: سنوات جفاف طويلة، تليها أمطار مفاجئة وقوية، ثم عودة إلى الندرة. هذا التذبذب، يجعل من كل موسم ممطر مجرد “استثناء”، لا يمكن البناء عليه وحده لضمان الأمن المائي.
في هذا السياق، لم يعد السؤال: هل ستمطر؟
بل: ماذا سنفعل حين تمطر؟
لأن التحدي الحقيقي لم يعد في انتظار الغيث، بل في القدرة على تحويله إلى ثروة مستدامة، عبر سياسات تخزين فعالة، وحكامة عادلة، ورؤية بعيدة المدى تعترف بأن الماء، لم يعد موردًا عاديًا، بل عنصرًا استراتيجيًا يحدد ملامح المستقبل.
المغاربة اليوم لا يطلبون معجزات، بل وضوحًا. يريدون أن يفهموا: أين يذهب الماء؟ من يستهلكه أكثر؟ ومن يتحمل عبء ندرته؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس العطش في حد ذاته، بل الإحساس بأن العطش يُوزَّع بشكل غير عادل.
في النهاية، قد تكون الأمطار الأخيرة، قد منحت بعض الأمل، لكنها في الوقت نفسه، كشفت حقيقة أعمق:
الأزمة لم تعد في السماء… بل في الأرض، وفي طريقة تدبير ما تمنحه السماء.
ويبقى السؤال المفتوح، الذي سيحدد الكثير في السنوات القادمة:
هل سنحوّل كل قطرة مطر، إلى فرصة لبناء أمن مائي حقيقي… أم سنكتفي بالفرح المؤقت، لنعود بعدها، إلى نفس القلق القديم، ولكن بسماء أكثر سخاء وأرض أكثر عطشًا؟