الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

العكاري بالرباط تحت الاحتلال… جيش مصاصي الدماء يعلن نفسه سلطة أمر واقع!

ضربة قلم

في العكاري بالرباط، الصيف ليس موسماً للمصايف ولا للراحة ولا حتى للتنفس تحت شمس الله الحارقة. الصيف هناك، يا سادة، موسم البعوض بامتياز… موسم “الشنيولة” التي أصبحت تُعامل كعنصر دائم من عناصر الديكور الحضري، لا بل كضيفة ثقيلة لا تفهم الإيحاء ولا تستجيب للطرد. إنها لا تطرق الباب، بل تقتحم النوافذ بكل ثقة، وتباشر مهمتها السامية: تحويل السكان إلى وليمة مفتوحة من لحم بشري منزوع الإرادة.

فكروا في الأمر لحظة: أن تستيقظ من نومك لا لأن المنبه رنّ، بل لأن بعوضة حجمها يقارب حجم “درون صغير” قررت أن تحط على جبهتك وتستأنس بحرارة دمك. أن تحكّ رجلك، ثم يدك، ثم ظهرك، ثم تبدأ في التساؤل إن كنت تسكن فعلاً في الرباط أم في مستنقع موبوء على مشارف دلتا الأمازون.

السكان، مساكين، كتبوا، وتوسلوا، وصرخوا، بل هناك من فكّر جدياً في تعلم لغة البعوض والتفاوض مباشرة مع مستعمرة الشنيولات التي استوطنت أشجار الحي. لكن، لا حياة لمن تنادي. الجهات المعنية – وهي دوماً “معنية” اسماً لا فعلاً – اكتفت بتقديم الوعود، تلك الوجبة الباردة التي تعشقها الإدارات، بينما السكان يتناولون على الفطور والغداء والعشاء… اللسعات.

ولأن الكارثة لا تأتي فرادى، فإن هذا البعوض ليس عادياً، لا، لا. هناك صنف جديد ظهر فجأة، كأنه وافد جديد من كوريا الشمالية أو تجارب علمية هربت من مختبر سري. بعوض ضخم، لا يلسع فقط، بل يُخلف أثرًا نفسياً، يجعل الطفل يرى الكوابيس، ويجعل الكبار يشككون في انتمائهم البيئي. هناك من أقسم أنه رأى بعوضة وهي تنظر له شزراً بعد أن حاول طردها، وكأنها تقول: “عارف طريق الرجعة، ما تضرش راسك”.

أما الأسباب، فهي لا تحتاج إلى خبير إيكولوجي. أشجار لم تُقص منذ عصور ما قبل الانترنيت، مياه عادمة تُستخدم لري الحدائق الخضراء (أو ما تبقى منها)، فتختلط الرطوبة بالأوراق وبالخراب، فينشأ حلف طبيعي بين الطحالب والبعوض، عنوانه: “دعونا نُرعب العكاري”. أضف إلى ذلك الغياب التام لأي تدخل فعلي، وسنحصل على وصفة مثالية لـ”كوكتيل حشري” بنكهة الإهمال المزمن.

ومع ذلك، لم يفقد السكان حسّهم الراقي في المطالبة. لا أحد دعا إلى إحراق الأشجار أو حفر خنادق، فقط قصّ الأشجار وتنظيف المساحات الخضراء ورش مبيدات (آمنة طبعاً، لا نريد أن يموت البعوض حزناً على البيئة). لكن حتى هذه المطالب البسيطة، تواجه باللامبالاة، تلك الآفة الأقدم من الشنيولة نفسها، والمستعصية على أي مبيد.

في العكاري، الصيف يمرّ ببطء، لا لأن الوقت طويل، بل لأن كل دقيقة تمرّ تُقابلها لسعة، وكل لسعة تُقابلها صرخة، وكل صرخة تُقابلها لا شيء. وكل لا شيء تُقابلها أخرى أشد فراغًا، إلى أن يستسلم الناس ويبدؤوا في التفكير: ماذا لو طلبنا من الشنيولات الترشح للانتخابات؟ لعلها الوحيدة التي تزورنا بانتظام، وتعرف أين نقط الضعف، وتشتغل بصمت… وبنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.