الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

العيدُ عندهم صلاة… وعند المرشحين موسمٌ لاصطياد الأصوات قبل تكبيرة النهاية

ضربة قلم

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن البلاد دخلت رسميًا موسمًا مغربيًا استثنائيًا، لا علاقة له بالفصول الأربعة المعروفة، بل بفصل خامس اسمه: “فصل البحث عن الناخب الضائع”.
فجأة، يخرج علينا سياسيون ومرشحون كانوا مختفين طيلة سنوات، وكأن الأرض ابتلعتهم، أو كانوا في مهمة سرية فوق كوكب آخر، ليعودوا دفعة واحدة، بوجوه مبتسمة أكثر من اللازم، وقلوب “حنونة” أكثر من اللازم، وسلامات حارة تكاد تكسر عظام المواطنين من شدة الحماس الانتخابي المفاجئ.

اليوم، ومع صلاة العيد، ظهر هذا المشهد بوضوح مثير للسخرية والشفقة في الوقت نفسه. مصليات العيد التي كانت دائمًا فضاءً روحانيًا بسيطًا، يجتمع فيه الناس للدعاء والتسامح وتبادل التهاني، تحولت عند البعض إلى ما يشبه “صالونًا انتخابيًا مفتوحًا”، أو سوقًا موسميًا لاصطياد الأصوات البشرية الطرية، قبل أن تبرد حرارة المناسبة.

منذ الساعات الأولى للصباح، بدأت بعض الوجوه المعروفة في كل المدن والمناطق المغربية، تتحرك بخفة غريبة وسط الجموع. نفس الأشخاص الذين كانوا طوال السنوات الماضية، لا يظهرون إلا داخل السيارات الفاخرة ذات الزجاج الأسود، صاروا فجأة يمشون على أقدامهم وسط الأزقة، يوزعون الابتسامات، كما توزع الحلوى، ويصافحون الناس بحرارة، توحي وكأنهم كانوا يبيتون معهم في نفس الحي ويأكلون معهم “البيصارة” كل صباح.

المثير للسخرية، أن بعض هؤلاء المرشحين صاروا في يوم واحد، خبراء في الدين، والاجتماع، والفقر، والبطالة، وحتى في مشاكل “الدوارة” وارتفاع ثمن الفحم. فجأة اكتشفوا أن الشعب يعاني! يا للمفاجأة التاريخية العظيمة… بعد سنوات من النوم السياسي العميق، استيقظ الضمير الانتخابي أخيرًا على صوت التكبيرات.

هناك من دخل المصلى، وكأنه داخل إلى حملة انتخابية رسمية لا إلى صلاة عيد. ينظر يمينًا ويسارًا، أكثر مما ينظر إلى الإمام، يحاول حساب عدد الرؤوس البشرية، كما يحسب التاجر عدد الزبائن المحتملين. يقترب من هذا، يربت على كتف ذاك، يبتسم لطفل صغير، وكأنه مرشح لرعاية اليونيسيف، ثم يلتفت إلى الكاميرات وهواتف “ماسحي الأحذية” أكثر من التفاته إلى الخطبة نفسها.

بعضهم أصبح فجأة “ولد الشعب”. يتحدث بلهجة شعبية مصطنعة، ويضحك ضحكات طويلة مدروسة بعناية، حتى يخيل لك أنه قضى حياته كلها ،جالسًا فوق الرصيف يناقش أسعار البطاطس مع المواطنين، بينما الحقيقة، أن كثيرين منهم لا يعرفون أصلًا ثمن قنينة الزيت إلا عبر التقارير.

والأطرف من كل هذا، أن المرشح المغربي قبل الانتخابات يتحول إلى كائن خارق للطبيعة. يصبح قادرًا على زيارة المرضى، حضور الجنائز، افتتاح المقاهي، أكل الكسكس الجماعي، تقبيل الأطفال، حمل الرضع، مصافحة الشيوخ، بل وحتى الاستماع لمشاكل الحفر في الأزقة، وكأنه وزير عالمي متخصص في علوم “الترقيع البلدي”.

أما المواطن البسيط، فقد صار يتابع هذا العرض السنوي، بنوع من الفكاهة السوداء. لأنه حفظ السيناريو عن ظهر قلب. يعرف أن نفس الوجوه التي تتسابق اليوم نحو المصليات، ستختفي غدًا بسرعة مذهلة فور انتهاء الانتخابات، وكأنها كانت مجرد “إعلانات موسمية” مرتبطة بالحملة لا أكثر.

والغريب فعلًا، أن بعض السياسيين يتعاملون مع المواطنين، كما يتعامل الصياد مع الطرائد النادرة. العيد بالنسبة لهم ليس مناسبة دينية أو اجتماعية، بل فرصة ذهبية لاجتياح أكبر عدد ممكن من “الضحايا الانتخابيين” دفعة واحدة. فالمصلى يوفر عليهم الوقت والوقود والبحث الطويل… الجميع مجتمع في مكان واحد، بملابس نظيفة، وقلوب لينة، واستعداد نفسي للتسامح. يا لها من فرصة سياسية لا تعوض!

حتى السلام صار عند البعض يحمل نكهة انتخابية واضحة:
“العيد مبارك السي الحاج… ما تنساناش نهار التصويت.”
وكأن فرحة العيد أصبحت مرتبطة بورقة انتخابية، أكثر من ارتباطها بصلة الرحم أو التكافل الإنساني.

ثم يأتي الجزء الأكثر إيلامًا وسط كل هذه الكوميديا السوداء… أن كثيرًا من المواطنين أصبحوا فعلًا فاقدين للثقة. لم تعد الخطابات الرنانة تقنعهم، ولا الابتسامات المؤقتة تخدعهم، كما في السابق. الناس صاروا يدركون أن موسم الانتخابات في المغرب يشبه، إلى حد بعيد موسم الهجرة عند الطيور: وجوه تظهر في وقت معين، ثم تختفي مباشرة بعد انتهاء المهمة.

والمفارقة العجيبة، أن هؤلاء الذين يتهافتون اليوم على مصليات العيد، هم أنفسهم من يغيب كثير منهم، حين يتعلق الأمر بالمستشفيات العمومية، أو المدارس المتهالكة، أو البطالة، أو ارتفاع الأسعار، أو معاناة الشباب، أو القرى المنسية التي لا تصلها حتى أبسط شروط الحياة الكريمة.

لكن، ما إن تقترب الانتخابات، حتى يتحول الجميع فجأة إلى عشاق للفقراء والبسطاء والمهمشين. يصبح المواطن الذي كان منسيًا طوال خمس سنوات، “ثروة وطنية” يجب الحفاظ عليها بكل الطرق الممكنة.

وهكذا، تستمر المسرحية المغربية الكبرى…
موسم انتخابي جديد، وابتسامات جديدة، ووعود جديدة، بينما المواطن نفسه ما يزال يقبع في قاعة الإنتظار، منذ سنوات طويلة جدًا، يترقب أيضا، أن يرى سياسيًا واحدًا فقط يتذكره بعد الانتخابات بنفس الحماس الذي يطارده به قبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.