الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

العيد الذي مرّ حافيًا من قلوب الفقراء… وترك خلفه دموعًا لا تُذبح

ضربة قلم

في هذا اليوم الذي كان المغاربة ينتظرونه دائمًا بقلوب تشبه دفء الخبز الخارج للتو من فرن الأمهات، حلّ عيد الأضحى هذه السنة بطعم مختلف… بطعم يشبه الحسرة، أكثر مما يشبه الفرح، ويشبه الصمت، أكثر مما يشبه ضجيج التكبيرات التي كانت تملأ الأزقة والحارات الشعبية منذ الفجر.

العيد الذي كان فيما مضى مناسبة، تتصالح فيها الأرواح مع الحياة، صار عند كثيرين مجرد موعد ثقيل يوقظ الأسئلة المؤلمة، ويكشف حجم الوجع المختبئ خلف الأبواب المغلقة. فمنذ أيام فقط، كانت الأسواق مكتظة بالناس، لكن ليس كل من كان يتجول بين الخرفان، كان يملك القدرة على الشراء. كثيرون كانوا يلمسون الصوف بأيدي متعبة، ثم ينسحبون بصمت، وكأنهم يعتذرون لأطفالهم ولأنفسهم في آن واحد. كانت العيون تسبق الجيوب، وكانت القلوب تتكسر أمام أثمنة لم تعد ترحم أحدًا.

اليوم، هناك بيوت ارتفع منها دخان الشواء، وتعالت منها ضحكات الأطفال، وامتلأت موائدها بلحم الأضحية، فيما بيوت أخرى اكتفت بالصمت… صمت ثقيل يشبه البكاء المؤجل. أسر كثيرة لم تستطع اقتناء الكبش، ليس لأنها لا تريد إحياء الشعيرة، بل لأن “غول الغلاء” التهم القدرة الشرائية حتى آخر رمق. أصبح المواطن البسيط يطارد ضروريات الحياة، وكأنه يركض خلف سراب لا ينتهي. راتب يتبخر قبل منتصف الشهر، وأسعار ترتفع بلا رحمة، وحكومة تبدو في نظر كثيرين، بعيدة عن نبض الشارع الحقيقي، وكأنها تعيش عيدًا آخر غير الذي يعيشه المواطن البسيط.

ولعل أكثر ما يوجع في كل هذا، هو ذلك الشعور بالعجز الذي تسلل إلى قلوب الآباء. كم من أبٍ هذا العام، تجنب النظر مباشرة في أعين أطفاله خوفًا من سؤال بسيط: “بابا… فين الكبش؟”. وكم من أم حاولت أن تصنع فرحة بديلة ببعض الحلويات والشاي والكلمات الدافئة، بينما قلبها يغرق في الحزن، لأنها تعرف أن أبناءها يشعرون بالفرق، حتى وإن تظاهروا بالعكس.

بعض الناس رفعوا أكف الدعاء إلى السماء، لا طلبًا للمال فقط، بل طلبًا للإنصاف، ولجبر الخاطر، وللانتقام الإلهي ممن أوصل البلاد إلى هذه المرحلة التي صار فيها العيد نفسه عبئًا نفسيًا على الفقراء. هناك من دعا الله بحرقة لا يسمعها إلا من ذاق مرارة الحاجة، لأن الجوع لا يقتل وحده، بل يقتل معه الكرامة أحيانًا، ويجعل الإنسان، يشعر وكأنه عاجز حتى عن إسعاد من يحب.

وفي المقابل، هناك فئة أخرى، لم تقتن الأضحية عن قناعة أو موقف، سواء لأسباب دينية أو اجتماعية أو احتجاجية، لكن حتى هؤلاء لم يكونوا بعيدين عن الإحساس العام بالحزن الذي خيم على الأجواء. لأن المشكلة لم تعد فقط في “الخروف”، بل في شيء أكبر بكثير… في ذلك الإحساس الجماعي، بأن الفرح المغربي القديم بدأ يتآكل شيئًا فشيئًا.

لقد تغيرت طقوس العيد بشكل مخيف. اختفت تلك الحرارة الإنسانية التي كانت تجعل الحي كله عائلة واحدة. أين تلك الأيام التي كان فيها الجار يطرق باب جاره حاملاً طبق “بولفاف” قبل أن يبرد؟ أين أصوات الأطفال وهم يركضون في الأزقة بثيابهم الجديدة؟ أين رائحة الفحم المختلطة بالضحك والدعوات والزيارات العائلية الطويلة؟

اليوم، صار كل شيء سريعًا وباردًا ومختصرًا. حتى التهاني، أصبحت تُرسل عبر الهواتف بلا روح. الناس صاروا متعبين نفسيًا، مثقلين بالهموم، وكأن الحياة سرقت منهم القدرة على الاحتفال الحقيقي. لم يعد العيد ذاك العرس الشعبي الكبير الذي كانت تتزين به القلوب قبل البيوت.

ثم هناك جرح آخر لا تراه الكاميرات… جرح الأسر التي فقدت الأب أو الأم. هؤلاء لا يقيسون العيد بعدد الكيلوغرامات، ولا بحجم الكبش، بل بكرسي فارغ على مائدة الطعام، وبصوت غائب كان يمنح البيت معنى مختلفًا. كم يبدو العيد قاسيًا حين يغيب الأب الذي كان يملأ البيت ضحكًا وحركة، أو الأم التي كانت توقظ الجميع باكرًا وهي ترتب تفاصيل اليوم بحب لا يوصف.

العيد بالنسبة لهؤلاء يتحول إلى امتحان عاطفي صعب. تمر الذكريات كالسكاكين، وتصبح التفاصيل الصغيرة مؤلمة، بشكل لا يحتمل. صورة قديمة، رائحة عطر، تكبيرة عيد، أو حتى فنجان شاي… كلها تتحول إلى أبواب للبكاء الصامت. هناك من جلس اليوم في زاوية البيت، يحاول أن يبدو قويًا أمام الآخرين، بينما داخله ينهار، لأن شخصًا واحدًا فقط كان قادرًا على جعل العيد “عيدًا”.

وكأن كل هذا لا يكفي، جاءت موجة الحرارة الملتهبة لتزيد الإحساس بالاختناق. الشمس هذا الأيام القليلة الأخيرة، بدت وكأنها غاضبة هي الأخرى. الحرارة ارتفعت بشكل خانق، والناس يواجهون لهيب الأسعار ولهيب الطقس معًا، في مشهد يلخص حجم الإرهاق الذي يعيشه المواطن البسيط. لا ماء يكفي، ولا كهرباء ترحم، ولا جيوب قادرة على تحمل المزيد من المصاريف.

ومع ذلك… ورغم كل هذا التعب، يبقى المغاربة شعبًا عنيدًا بطريقة جميلة. شعبًا يحاول دائمًا أن يزرع بعض الفرح وسط الخراب، وأن يبتسم ولو بنصف قلب. ففي بعض البيوت الفقيرة، ربما لم يكن هناك كبش، لكن كان هناك دعاء أم صادق، وضحكة طفل بريئة، ورغبة خفية في أن تمر هذه الأيام بسلام.

لأن العيد الحقيقي، في النهاية، ليس فقط أضحية تُذبح… بل قلب لا يزال قادرًا على الرحمة، وبيت لا يزال يتقاسم ما لديه، وإن كان قليلًا. لكن الحقيقة المؤلمة أيضًا، هي أن الشعوب لا يجب أن تعتاد على الحزن، ولا ينبغي أن تتحول الأعياد عندها إلى اختبارات للبقاء والصبر فقط.

العيد الذي كان يومًا مرادفًا للطمأنينة، صار اليوم مرآة كبيرة، تعكس حجم التعب الذي يسكن الناس… تعب اقتصادي، ونفسي، واجتماعي، وإنساني أيضًا. ومع ذلك، يبقى الأمل معلقًا في قلوب البسطاء، بأن يأتي عيد آخر يكون أخف وجعًا، وأكثر دفئًا، وأقرب إلى ذلك المغرب الجميل، الذي كان يعرف كيف يصنع الفرح حتى من أبسط الأشياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.