الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

العيد في المغرب.. أفراح تكتمل وقلوب تنكسر في صمت البيوت

ضربة قلم

في كل عام، ومع اقتراب عيد الفطر، تتزيّن المدن والقرى، وتنبض البيوت بحيوية خاصة، كأن الزمن نفسه يلبس حُلّة الفرح. في المغرب، كما في باقي الدول الإسلامية، لا يُعد العيد مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو طقس اجتماعي عميق الجذور، تختلط فيه الروحانية بالحنين، وتتعانق فيه الذكريات مع الأمل. تُفتح الأبواب، تُمدّ الموائد، وتتعالى الضحكات التي غابت طوال شهور الانشغال والتعب.

لكن، وعلى ضوء هذا المشهد المشرق، تظل هناك زوايا صامتة، لا يصلها صخب العيد كما ينبغي.

هناك أسر تجتمع، نعم، لكن كراسيها لا تكتمل. كرسي فارغ يختصر حكاية فقد حديث، أب رحل فجأة، أم كانت عماد البيت، أو شاب غادر الدنيا، قبل أن يذوق طعمها. في هذه البيوت، لا يُلغى العيد، لكنه يتحول إلى لحظة تأمل، إلى دمعة تختبئ خلف ابتسامة، إلى دعاء طويل، يسبق أول لقمة من كعك العيد.

وهناك أسر أخرى، تقف عند أبواب المستشفيات بدل أبواب الأقارب. أم تُعدّ الأيام بين جرعات العلاج، أب ينتظر نتيجة تحليل، طفل يتشبث بالأمل في سرير أبيض بارد. في هذه الحالات، يصبح العيد مؤجلاً، أو ربما مؤجلاً في القلوب فقط، لأن الجسد مرهق، والنفس مثقلة بالخوف والترقب. ومع ذلك، تظل هناك محاولات صغيرة، لصناعة الفرح: قطعة حلوى تُجلب إلى غرفة المرض، أو مكالمة فيديو تُقرّب المسافات.

ولا يمكن أن نغفل أسرًا، أنهكتها الضائقة المالية، وهي كثيرة، لأسباب متعددة ومتشابكة. فهناك من فقد عمله بشكل مفاجئ، نتيجة إغلاق شركة أو تقليص في عدد العمال، وهناك من يشتغل في القطاع غير المهيكل، حيث لا ضمانة ولا استقرار، يوم يعمل ويوم لا يجد ما يسد به رمق أسرته. وهناك أسر أثقلتها الديون، قروض صغيرة، تراكمت لتصبح عبئًا كبيرًا، خاصة في ظل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

كما أن بعض الأسر تعيش على تحويلات من الخارج، ومع أي أزمة اقتصادية عالمية، أو فقدان أحد الأبناء لعمله في المهجر، تنقطع تلك التحويلات، فيجد البيت نفسه فجأة، في مواجهة واقع صعب. وهناك أيضًا من يواجه مصاريف صحية باهظة، استنزفت مدخراته، فصار العيد بالنسبة له، مجرد عبء إضافي بدل أن يكون مناسبة للفرح.

ولا ننسى الأسر التي تعاني من تفكك داخلي، نزاعات صامتة أو معلنة بين الأزواج، قطيعة بين الإخوة، أو أبناء ابتعدوا عن بيوت آبائهم لسنوات. في هذه الحالات، يكون العيد فرصة مؤجلة للمصالحة، لكنه أحيانًا يمرّ كأي يوم آخر، بلا زيارة ولا وصال.

وهناك فئة أخرى، ربما لا يُلتفت إليها كثيرًا: كبار السن الذين يعيشون وحدهم، بعد أن كبر الأبناء وتفرّقوا، أو فقدوا شريك العمر. هؤلاء قد يمر عليهم العيد في صمت، بين جدران تعرف حكاياتهم، لكن لا أحد يسمعها. وكذلك الطلبة أو العمال الذين فرضت عليهم، ظروف الدراسة أو العمل البقاء بعيدًا عن أسرهم، يكتفون بمكالمة هاتفية، يحاولون من خلالها اختصار شوق لا يُختصر.

ومع كل ذلك، يبقى العيد، في جوهره، رسالة أمل. ليس لأن الجميع سعداء، بل لأن الجميع، رغم اختلاف ظروفهم، يحاولون أن يمنحوا للحظة معنى. قد لا تكون الفرحة كاملة، لكنها موجودة، ولو في أبسط صورها: في دعاء صادق، في صدقة خفية، في زيارة قصيرة، أو حتى في نية طيبة لبداية جديدة.

العيد ليس اختبارًا للفرح، بل فرصة لإعادة اكتشافه، حتى في القلوب المثقلة. وفي مجتمع مثل المجتمع المغربي، حيث ما تزال قيم التضامن والتكافل حاضرة، يبقى الأمل قائمًا، في أن تمتد الأيادي، وأن لا يُترك أحد وحيدًا في مواجهة صمت العيد.

فبين زغاريد الفرح، هناك دائمًا مساحة لدمعة صادقة… وبين موائد عامرة، هناك دائمًا دعوة مفتوحة، لمن لم يجد مكانًا يجلس فيه. تلك هي روح العيد الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.