الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الغرفة التي لم تُغلق منذ رحيلها

م-ص

منذ ذلك اليوم، لم تُغلق الأم الباب جيدًا. تتركه مواربًا، كأن الهواء قد يحمل خبراً متأخرًا، أو كأن الخطى يمكن أن تعود خفيفة كما كانت، فتدفعه برفق وتدخل. ليس في البيت ما تغيّر كثيرًا، سوى أن الزمن نفسه، توقّف داخل تلك الغرفة، بينما واصل سيره في بقية الأرجاء كضيفٍ لا يعنيه الحداد.

الغرفة كما كانت يوم الزفاف. السرير مرتب بعناية لا تتناسب مع غياب صاحبته، والوسادة تحتفظ بانبعاج خفيف، كأن الرأس نهض للتوّ وسيعود. الفستان الأبيض معلق خلف الباب، لا لشيء إلا لأن الأم، لم تجد في قلبها شجاعة طيّه. تقول لنفسها إنها ستنزله يومًا ما، لكنها تعرف في سرّها، أن بعض الأشياء إذا طُويت انطفأت، وهي لا تريد أن ينطفئ آخر ما تبقى من ضوء.

العطر على الطاولة الصغيرة، بزجاجته الشفافة، لم يتبخر. الأم تفتحه أحيانًا وتشمّه ببطء، لا لتستعيد الرائحة فقط، بل لتستعيد اللحظة التي كانت فيها الحياة ممتدة، أمام ابنتها كطريق طويل ومشمس. الرائحة لا تقول شيئًا، لكنها توقظ كل شيء: الضحكة، ارتباك الصباح الأول، النظرة في المرآة، اليد التي كانت تعدّل الطرحة بخفة.

المرآة هي الأكثر صمتًا في الغرفة، والأكثر قسوة. لا تعكس إلا الغياب. تقف الأم أمامها أحيانًا، لا لترى نفسها، بل لترى ما لا يظهر. تقترب، تمسح سطحها بكفّها، كأنها تنتظر أن تنفتح على صورة قديمة، أن تعود الابنة لتقف هنا، تبتسم، تدير وجهها قليلًا، تسأل: “هل أنا جميلة هكذا؟” كانت جميلة، تقول الأم في سرّها، لكنها لم تكن تعرف، أن الجمال يمكن أن يكون قصير العمر إلى هذا الحد.

لم تمرّ سوى أشهر قليلة على الزفاف. أشهر كانت كافية لتتعلّم الأم، كيف تشتاق لابنتها وهي في بيت قريب، وكيف تفرح لرسالة قصيرة، تقول فيها إنها بخير. ثم جاء الخبر، باردًا ومختصرًا، كما تأتي الأخبار التي لا تمنح وقتًا للفهم. ومنذ ذلك اليوم، صارت الغرفة وطنًا آخر للحزن، وصارت الأم حارسة لذاكرة لا يزورها أحد.

لا أحد يجرؤ على اقتراح إغلاق الباب. بعض الأقارب حاولوا بلطف أن يقنعوها، بأن “الحياة تستمر”، وأن “الذكريات في القلب لا في الأشياء”. تهزّ رأسها موافقة، لكنها حين تصعد الدرج وتدخل الغرفة، تعرف أن القلب وحده لا يكفي. الأشياء تحفظ التفاصيل الصغيرة التي يخونها النسيان: طريقة طيّ القميص، ترتيب الكتب، مشبك الشعر على الطاولة. القلب يتعب، أما الخشب والزجاج والقماش، فيصبرون طويلًا.

في المساء، حين يهدأ البيت، تجلس الأم على حافة السرير. لا تبكي دائمًا. أحيانًا تكتفي بالإنصات. كأنها تسمع صدى خطوات، أو حركة خفيفة في الخزانة. ليس وهماً تمامًا، بل عادةٌ من الانتظار. الانتظار الذي لا يطلب معجزة، بل فقط دقيقة إضافية مع صورة لم تكتمل.

الغرفة ليست مجرد مكان؛ إنها زمن متوقف. الساعة على الجدار تعمل، لكنها لا تُقنع أحدًا. عقاربها تتحرك، لكن التاريخ لم يتحرك منذ ذلك اليوم. خارج الغرفة، تغيّرت الفصول، سقط المطر، جاء الصيف، تبدلت وجوه الجيران. أما هنا، فكل شيء عالق في لحظة بيضاء، لحظة كانت يفترض أن تكون بداية حياة طويلة، فإذا بها تصبح خاتمة قصيرة.

تخاف الأم أحيانًا من اليوم الذي قد تضطر فيه لإغلاق الباب فعلًا. تخاف أن يأتي وقت تُنزل فيه الفستان، وتغلق زجاجة العطر بإحكام، وتغطي المرآة بقماش، حتى لا تفضح الفراغ. تخاف لأن الإغلاق اعتراف نهائي، بأن العودة مستحيلة، وأن الغرفة يجب أن تعود غرفة، لا مزارًا صغيرًا للذكرى.

لكنها، في أعماقها، لا تبحث عن عودة جسد، بل عن طمأنينة. عن شعور بأن ابنتها، لم تختفِ تمامًا، وأن شيئًا منها ما زال عالقًا بين الجدران، في الضوء الذي يتسلل من النافذة صباحًا، في الغبار الخفيف الذي يلمع، حين تمرّ أشعة الشمس، في الرائحة التي لا تزال تقاوم الزمن.

وهكذا، يبقى الباب مواربًا. ليس لأن أحدًا سيعود، بل لأن القلب لا يعرف كيف يغلق، ما كان يومًا مفتوحًا على الفرح. الغرفة شاهدة، والمرآة شاهدة، والعطر شاهد صامت على قصة، بدأت بثوب أبيض وانتهت بصمت ثقيل.

وفي بيت عادي، في شارع عادي، تعيش أمٌّ حزنها بطريقة عادية جدًا… لكنها كل مساء، حين تمرّ أمام الباب الموارب، تعرف أن بعض الغرف لا تُغلق، لأنها لو أُغلقت، لأُغلِق معها آخر خيط يصلها بالحياة التي كانت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.