الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الفأس سقط على الرأس.. فاستيقظ عامل إقليم آسفي من سباته!

ضربة قلم

أحياناً، في بلادنا، لا تحتاج الإدارة إلى منبّه حتى تستيقظ… يكفيها هاتف ذكي، وفيديو ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض آلاف المشاهدات، حتى تتحرك الملفات التي كانت نائمة في الأدراج، وربما كانت تحتاج فقط إلى “إشعار فيسبوكي” كي تستعيد وعيها!

وهذه المرة، لم يكن الأمر يتعلق بمشكل بسيط في الإنارة، أو حفرة في الطريق، أو شكاية مواطن، يبحث عن وثيقة إدارية.

إنها قصة امرأة مسنة، اسمها مي حسبية، تعيش في دوار الركاركة بجماعة الغياث بإقليم آسفي، داخل مأوى أشبه بكهف، وفي ظروف قاسية، لا تليق بإنسان، فما بالك بامرأة تجاوزت سن الثمانين، بحسب بعض المصادر، أو تقترب من ذلك بحسب معطيات أخرى.

لا ماء، ولا كهرباء، ولا أبسط شروط السكن الكريم.

وبحسب ما تم تداوله، وصلت معاناتها إلى حد الحديث عن الجوع ونقص الطعام، فيما أوردت مصادر صحفية، أن السيدة كانت تتحدث عن أمنية بسيطة جداً: بعض الشاي والسكر لتعد لنفسها براداً.

هنا، يحق لنا أن نتساءل، وبكل احترام للمؤسسات:

أين كانت الإدارة قبل أن تصل الكاميرا؟

وأين كانت المصالح الاجتماعية، قبل أن تتحول قصة مي حسبية إلى حديث الناس؟

وأين كانت أعين المسؤولين المحليين، وهي تبحث عن هذه السيدة، إذا كانت تعيش في المكان نفسه منذ سنوات؟

هل كانت مي حسبية مختبئة في كهف، تحت الأرض على عمق مئات الأمتار؟

أم أن الإدارة، كانت تنتظر فقط أن تقوم مواقع التواصل الاجتماعي، بما عجزت عنه كل آليات الرصد الاجتماعي؟

فما إن انتشرت الصور والمقاطع، حتى تحركت السلطات.

ووفق المعطيات المنشورة، فقد انتقلت السلطة المحلية قبل يوم واحد، إلى مكان إقامة مي حسبية بتعليمات من عامل إقليم آسفي، رفقة أطقم طبية، من أجل معاينة وضعيتها الصحية والاجتماعية وتقديم المساعدة لها. كما اقترح نقلها إلى المستشفى الإقليمي لاستكمال الفحوصات والتكفل بها، غير أنها لم توافق، كما رفضت مغادرة المكان، الذي اختارت أن تقيم فيه، ورفضت كذلك الانتقال إلى أقاربها الذين يساعدونها بالطعام والغطاء.

وهنا يجب أن نكون منصفين:

رفض مي حسبية مغادرة مأواها لا يعفي المؤسسات، من مسؤوليتها في تتبع وضعها.

بل ربما يجعل المسؤولية أكبر.

لأن الدولة الاجتماعية، ليست فقط أن تصل إلى المواطن، عندما يطلب المساعدة، وإنما أن تبحث أيضاً عن المواطن، الذي لا يستطيع أن يطلبها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسن، يعيش في الهشاشة والعزلة.

لكن السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء هو:

هل كانت السلطات ستصل إلى كهف مي حسبية لو لم ينتشر الفيديو؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

لأن السيناريو، كما يبدو للمتابع، كان بسيطاً جداً:

امرأة مسنة، تعيش في ظروف قاسية…

تمر الأيام…

تمر الشهور…

تمر السنوات…

ولا أحد يسمع شيئاً.

ثم يأتي الهاتف المحمول.

يضغط شخص على زر التسجيل.

ينتشر الفيديو.

يتعاطف الناس.

تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي.

يبدأ الرأي العام في طرح الأسئلة…

وفجأة:

تحركت السلطات!

يا سلام!

حتى أصبح المواطن في بعض الأحيان، مضطراً إلى تحويل معاناته إلى فيديو فيروسي حتى تراه الإدارة بالعين المجردة!

وإذا كانت هذه هي الطريقة الجديدة، لاكتشاف الفئات الهشة، فأقترح أن يتم تعميمها رسمياً.

بدل المساعدات الاجتماعيات، نرسل “مؤثرين”.

وبدل لجان البحث الميداني، نرسل كاميرات.

وبدل برامج الرصد الاجتماعي، ننتظر “الترند”.

ومن يدري، ربما تصبح هناك مستقبلاً، خلية خاصة داخل العمالة، مهمتها الوحيدة، مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي:

” عندنا مسن بلا مأوى!”

“فين؟”

“مازال ما عرفناش، ولكن الفيديو وصل لـ500 ألف مشاهدة!”

“سيرو دابا!”

أما إذا لم يصل الفيديو إلا إلى 300 مشاهدة، فربما يحتاج الملف إلى بعض الوقت حتى “ينضج”!

هذه طبعاً سخرية مرة، لأن القضية في أصلها ليست مضحكة إطلاقاً.

المؤلم في قصة مي حسبية، ليس فقط أنها تعيش في مأوى قاسٍ، وإنما أن وجودها نفسه كان يبدو وكأنه خارج مجال الرؤية المؤسساتية، إلى أن تكفلت مواقع التواصل الاجتماعي بإضاءة الكشاف عليها.

وهنا تحديداً، يمكن توجيه السؤال إلى المسؤول الأول عن الإقليم، دون اتهام أو إصدار أحكام مسبقة:

عامل إقليم آسفي، هل كانت مصالحك تعرف بوجود مي حسبية قبل انتشار الفيديو؟

إذا كان الجواب نعم، فالسؤال يصبح:

ماذا تم فعله قبل أن تصل قصتها إلى الرأي العام؟

وإذا كان الجواب لا، فالسؤال يصبح أكثر إحراجاً:

كيف يمكن لامرأة مسنة تعيش في هذا الوضع، داخل تراب الإقليم، أن تبقى خارج رادار المصالح الاجتماعية؟

لا نريد من عامل الإقليم، أن يطير فوق الدواوير بحثاً عن المحتاجين، ولا نطلب منه أن يحمل معه، خريطة لكل كهف ومغارة في آسفي.

لكننا نريد إدارة، تستطيع أن ترى قبل أن ترى الكاميرا.

وأن تسمع، قبل أن يسمع فيسبوك.

وأن تتحرك، قبل أن يسقط الفأس على الرأس!

لأن المواطن الذي يعيش في الهامش، لا ينبغي أن يحتاج إلى آلاف المشاهدات، حتى يصبح جديراً باهتمام الإدارة.

والدولة الاجتماعية التي نتحدث عنها كثيراً، لا تقاس بعدد الشعارات التي نرفعها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى آخر مواطن، وأضعف مواطن، وأكثر المواطنين عزلة.

أما مي حسبية، فهي اليوم، لا تحتاج إلى زيارة بروتوكولية عابرة، ولا إلى صورة جماعية أمام الكاميرات، ولا إلى كيس مساعدات ينتهي مفعوله بعد أيام.

هي تحتاج إلى حل مستدام يحفظ كرامتها، مع احترام إرادتها، وتقييم وضعها الصحي والاجتماعي، وضمان مواكبتها وعدم تركها تعود إلى النسيان، بمجرد أن تهدأ موجة التضامن على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالمطلوب، ليس فقط أن تصل السلطة إلى الكهف مرة…

المطلوب ألا تعود مي حسبية إلى الكهف نفسه بعد أن تغادر الكاميرات.

وهنا، تحديداً، سيكون الامتحان الحقيقي لسلطات آسفي.

لأن الفأس قد سقط فعلاً على الرأس…

لكن السؤال الآن:

هل ستكتفي الإدارة بإسعاف الرأس، أم ستبحث أيضاً عن اليد التي تأخرت في رؤية الفأس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.