
عبد الله الشخص
يبدو أن بعض الفئران في عدد من المناطق الفلاحية بالمغرب، لم تعد تكتفي بأن تكون مجرد قوارض… بل دخلت مرحلة جديدة من «التنمية» على طريقتها الخاصة: تأكل الأخضر، وتعض اليابس، وتترك للفلاح مهمة عدّ الخسائر!
الحديث هنا عن موجة من انتشار القوارض، التي يشتكي منها عدد من الفلاحين، خصوصًا بإقليم شيشاوة، مع تداول شكايات أيضًا من مناطق بسطات وقلعة السراغنة. والفلاحون المتضررون يتحدثون عن أضرار واسعة، طالت المزروعات، والأشجار، وبعض المنشآت والتجهيزات، بل وحتى أنابيب المياه، لم تسلم من «الشهية المفتوحة» لهذه الكائنات.
ولا يهم الفلاح كثيرًا إن كان هذا الزائر غير المرغوب فيه فأرًا أصهب أو فأرًا شوكيًا مصريًا أو غير ذلك؛ فالمهم عنده أن هذا الجيش الصغير يأكل محصوله، ويقضم أشجاره، ويعبث بأنابيب مائه، بينما الإدارة ما تزال تطلب منه، أن يملأ الاستمارة! فالمؤكد أن القوارض الزراعية ليست نكتة ولا ظاهرة هامشية. بل إن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية نفسه، يضع مكافحة القوارض ضمن «المكافحات الكبرى»، ويقر بأن هذه الآفات قادرة على إحداث أضرار كبيرة بالمحاصيل، وأن سرعة انتشارها وقدرتها على التنقل، تجعل التدخل السريع عنصرًا أساسيًا في مكافحتها.
وهنا تبدأ الحكاية المغربية، التي تكاد تكون أطول من عمر الفأر نفسه.
الفلاح يرى أرضه تتعرض للهجوم، فيبحث عن الجهة التي يفترض أن تساعده. يتوجه إلى أونسا، بحسب ما يفيد به متضررون، فيجد أمامه… الاستمارة!
نعم، الاستمارة.
وكأن الفأر عندما يدخل الحقل، لا يسأل عن محصول القمح ولا عن الأشجار ولا عن أنابيب الماء، وإنما ينتظر فقط، أن يستكمل الفلاح الوثائق المطلوبة!
يُطلب من الفلاح، وفق إفادات متضررين، أن يملأ الاستمارة، ثم يتوجه بها إلى القيادة أو الملحقة الإدارية المختصة للحصول على التأشير، ثم يعود بها إلى الجهة نفسها، وبعد ذلك يدخل في مرحلة الانتظار.
وهنا، اسمحوا لنا أن نتساءل بسخرية:
هل الفأر أيضًا مطالب بأن ينتظر حتى تكتمل المسطرة؟
هل يمكن أن نقول له:
«عفاك آ الفأر، وقف شوية… راه الملف ديالك مازال ما تأشرش»؟
أم نطلب منه أن يملأ طلبًا استعجاليًا، ويضيف نسخة من بطاقة التعريف الوطنية، وشهادة السكنى، وربما شهادة الملكية، ثم ينتظر دوره؟
المشكلة ليست في وجود مسطرة إدارية، من حيث المبدأ، فالمساطر وُجدت لتنظيم العمل، وحماية المال العام وضمان الاستفادة العادلة. المشكلة تبدأ عندما تتحول المسطرة إلى سباق بين الإدارة والفأر، ويكون الفأر هو الأسرع!
فإذا كان الفلاح ينتظر أسبوعًا، أو شهرًا، بحسب ما يرويه بعض المتضررين، فإن القارض لا ينتظر.
الفأر لا يعرف، معنى «العودة يوم الثلاثاء».
ولا يعرف، أن الموظف المكلف بالملف في عطلة.
ولا يعرف أن الوثيقة، يجب أن تحمل توقيع هذه المصلحة وتأشيرة تلك.
ولا يعرف حتى معنى «الملف قيد الدراسة».
هو ببساطة، يدخل إلى الحقل… ويبدأ الأكل.
وهذه هي المفارقة التي تستحق أن تُفتح بشأنها مساءلة حقيقية: إذا كانت أونسا نفسها، تؤكد أن المكافحات الكبرى ضد القوارض يفترض أن تتم باليقظة، والحضور المنتظم في الميدان، وسرعة التدخل، ومرونة تعبئة الوسائل، فأين تبدأ هذه السرعة وتنتهي؟
بل إن الموقع الرسمي للمؤسسة، يحدد ضمن مهام حماية النباتات: مراقبة الحالة الصحية للمزروعات، وتقديم المساعدة التقنية للفلاحين، وتعزيز وسائل مكافحة الكائنات الضارة، والقيام بأعمال مكافحة القوارض.
إذن، نحن لا نتحدث عن قطاع، لا علاقة له بالمشكلة.
نحن نتحدث عن مؤسسة تدخل مكافحة القوارض ضمن اختصاصاتها المعلنة.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة في روايات الفلاحين المتضررين: كمية المبيد أو الطُّعم التي يحصل عليها بعضهم مقارنة بالمساحات التي يفترض علاجها.
فإذا صح ما يرويه هؤلاء من أن فلاحًا قد يحصل على كيلوغرام واحد، لعلاج مساحة تصل إلى عشرة هكتارات، بينما يرى أن الكمية، لا تكفي حتى لهكتار واحد، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: «لماذا تشتكي؟»
بل السؤال هو:
هل الكميات الموزعة محسوبة على أساس تقني واضح؟ وما هي الجرعة المعتمدة للهكتار؟ ومن يحددها؟ وهل تختلف حسب نوع القارض، وكثافة الإصابة، ونوع المحصول، وطريقة التطبيق؟
وهذه ليست تفاصيل ثانوية.
فحتى أونسا نفسها، تؤكد أن فعالية المعالجة، مرتبطة بدقة تطبيق الجرعات وبمعدات وتقنيات الاستعمال، وأن تقنيات التطبيق عنصر حاسم في نجاح المعالجة، واحترام الممارسات الجيدة.
بمعنى آخر: ليس المهم فقط أن نقول للفلاح «خذ الدواء»؛ المهم أن يحصل على الكمية المناسبة، بالطريقة المناسبة، وفي الوقت المناسب.
لأن إعطاء جرعة غير كافية، في مواجهة انتشار واسع، يشبه إرسال مظلة صغيرة إلى منطقة غارقة في الفيضانات!
والأخطر من ذلك، أن الفلاح ليس أمام فأر واحد، يمر من أمامه ثم يعتذر.
القوارض تتكاثر، وتتحرك، وتختبئ، وتعود، ويمكن أن تتسبب في أضرار مباشرة للمحاصيل، وفي خسائر مرتبطة، بما تخزنه في جحورها، فضلًا عن الأضرار التي تلحق بالأرض نتيجة حفر الجحور. وهذا بالضبط، ما توضحه المعطيات المنشورة رسميًا حول القوارض الحقلية.
لذلك، فإن المطلوب ليس فقط، توزيع بعض الطعوم على بعض الفلاحين، ثم إغلاق الملف إداريًا.
المطلوب هو خطة ميدانية استباقية.
مراقبة.
تشخيص.
تحديد مناطق الانتشار.
تقدير كثافة القوارض.
تدخل جماعي.
تعبئة الوسائل.
تتبع النتائج.
ثم إعادة التدخل، إذا لزم الأمر.
وهذا بالمناسبة قريب جدًا، مما تقوله أونسا نفسها عن حملات المكافحة الكبرى، التي يفترض أن تقوم على المراقبة والتنقيب والسيطرة، وعلى تعبئة الموارد البشرية واللوجستية، مع سرعة التدخل والحضور الميداني المنتظم.
إذن، السؤال اليوم ليس فقط:
أين اختفت الفئران؟
بل:
أين اختفت السرعة؟
الفأر حاضر.
الفلاح حاضر.
المحصول حاضر.
الخسارة حاضرة.
والاستمارة حاضرة أيضًا!
فمتى يحضر التدخل؟
وإذا كان الفلاح مطالبًا، بأن ينتقل من الحقل إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى القيادة، ومن القيادة إلى الإدارة، ثم يعود إلى الحقل ليرى أن الفأر، قد أنهى مهمته، فماذا بقي له غير أن يقدم طلبًا آخر… للتعويض عن الوقت الذي ضاع وهو يطارد المسطرة بدل أن يطارد الفئران؟
لا أحد يطلب من الإدارة، أن تتخلى عن القانون أو عن التنظيم.
ولا أحد يطلب توزيع المبيدات، بطريقة عشوائية.
لكن الفلاح، خصوصًا في حالة انتشار آفة تهدد محصوله، يحتاج إلى إدارة سريعة، واضحة، ميدانية، وفعالة.
فالزراعة لا تنتظر كثيرًا.
المحصول لا ينتظر كثيرًا.
والفأر، للأسف، لا ينتظر إطلاقًا!
وإذا كانت الدولة، قد أنشأت مؤسسات ومصالح مختصة لحماية الزراعة والثروة النباتية، فإن السؤال المشروع اليوم إلى وزارة الفلاحة والمصالح التابعة لها وأونسا والسلطات الترابية هو:
هل هناك رصد فعلي لحجم انتشار القوارض في شيشاوة وسطات وقلعة السراغنة والمناطق المتضررة؟
ما هي المساحات المصابة؟
كمية الطعوم أو المبيدات التي تم توفيرها؟
ما هي الجرعة التقنية المعتمدة للهكتار؟
كم عدد الفلاحين المستفيدين؟
وما هي آجال الاستجابة للشكايات؟
هذه أسئلة بسيطة، لكنها بالنسبة للفلاح، ليست ترفًا صحافيًا.
إنها ببساطة أسئلة مرتبطة بـخبزه، وأرضه، ومحصوله، وماء سقيه، ومصدر رزقه.
أما الفأر…
فهو، على ما يبدو، لا يحتاج إلى استمارة.
ولا إلى تأشيرة القيادة.
ولا إلى موعد.
فقط يحتاج إلى حقل… والباقي تتكفل به الشهية!




