
ضربة قلم
في زمنٍ، أصبحت فيه سرعة الإنترنت، معيارًا غير معلن لقياس جودة الحياة، لم يعد “الفايبر” في المغرب مجرد خدمة ترفيهية، بل تحول إلى ضرورة يومية، تفرضها الدراسة عن بعد، والعمل الرقمي، وحتى أبسط تفاصيل الترفيه. لكن، وكما هي العادة في “حكومتنا الموقرة” وسوقها المفتوح بنصف عين مغمضة، فإن قصة الفايبر، ليست مجرد أرقام وسرعات، بل حكاية تنافس، واحتكار مقنّع، ومستهلك يحاول أن يفهم: من يربح فعلاً؟
لنبدأ من العروض التي تبدو في ظاهرها مغرية.
شركة أورونج مغرب تدخل السوق بقوة، حيث تبدأ عروض “La Fibre” من 249 درهم شهريًا، مع سرعات قد تصل إلى 500 ميغابِت، وتُرفق العرض براوتر ويفي 6 مجاني، وتركيب مجاني في أغلب الحالات. عرض يبدو كأنه رسالة واضحة: “نحن هنا لنكسر الأسعار”.
في الجهة المقابلة، نجد إينوي، التي اختارت استراتيجية مشابهة: نفس السعر الابتدائي تقريبًا (249 درهم)، مع باقات متعددة (20، 50، 100، 200 ميغابِت)، وتركيب مجاني وجهاز موديم مشمول. المنافسة هنا، ليست فقط في السعر، بل في محاولة كسب ثقة زبون مغربي، أصبح أكثر وعيًا، وأكثر شكًا أيضًا.
لكن حين نصل إلى اتصالات المغرب، تتغير القواعد قليلاً… أو كثيرًا.
عروض “Fibretic” تبدأ من 400 درهم لسرعة 100 ميغابِت، وتصل إلى 800 درهم، لسرعة 500 ميغابِت. وليس هذا فقط، بل هناك تفاصيل صغيرة تُضاف بهدوء إلى الفاتورة:
- 200 درهم كتكلفة تركيب
- 200 درهم كضمان للراوتر
- والأهم: فرض الاشتراك في الهاتف الثابت، سواء احتجته أو لم تحتجه
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
احتكار البنية… وحرية السوق “النظرية”
المفارقة التي يعرفها الجميع ويتجاهلها الكثيرون، هي أن اتصالات المغرب، ليست فقط فاعلًا في السوق، بل هي أيضًا المزوّد الأساسي للبنية التحتية. بمعنى آخر: هي التي تملك “الطريق” الذي تمر منه الألياف البصرية.
وبالتالي، فإن شركات مثل أورونج وإينوي، رغم عروضها الجذابة، تعتمد جزئيًا على نفس الشبكة التي تديرها اتصالات المغرب. أي أننا أمام نموذج غريب:
شركة تبيع بالجملة… ثم تنافس زبناءها في البيع بالتقسيط!
وهنا يظهر التناقض الكبير:
كيف يمكن أن نجد عروضًا بـ249 درهم من شركات تعتمد على نفس البنية، بينما صاحب البنية نفسه يفرض 400 درهم كحد أدنى؟
الإجابة، ببساطة، تكمن في المنافسة التي فُرضت ولم تُختر.
لولا المنافسة… لبقينا في زمن 500 درهم
لو لم تدخل أورونج وإينوي بقوة إلى سوق الفايبر، لربما ظل السعر عند 500 درهم أو أكثر، كما كان الحال في بدايات هذه الخدمة. دخول المنافسين، لم يكن مجرد إضافة، بل كان بمثابة “صدمة كهربائية” للسوق، أجبرت الفاعل التاريخي على مراجعة حساباته… ولو جزئيًا.
لكن رغم ذلك، لا تزال اتصالات المغرب تراهن على:
- قوة شبكتها
- انتشارها الواسع
- وثقة زبناء قدامى يصعب عليهم تغيير المزود
المستهلك المغربي… بين الإغراء والحذر
اليوم، الزبون المغربي لم يعد ساذجًا كما في السابق.
هو يرى عرض 249 درهم، لكنه يسأل:
- هل السرعة مستقرة؟
- هل الخدمة التقنية فعالة؟
- هل هناك “مفاجآت” في الفاتورة؟
وفي المقابل، يرى عرض 400 درهم من اتصالات المغرب، ويتساءل:
- لماذا أدفع أكثر لنفس السرعة؟
- ولماذا أُجبر على هاتف ثابت لا أستعمله؟
ما بين السوق والتنظيم.. من يحمي المستهلك؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: أين دور التنظيم؟
نظريًا، هناك مؤسسات تسهر على ضمان المنافسة الشريفة وحماية المستهلك. لكن عمليًا، يبدو أن السوق، تُترك أحيانًا ليضبط نفسه بنفسه… أو بالأحرى، ليُضبط من طرف الأقوى.
ففرض خدمات غير مرغوب فيها (مثل الهاتف الثابت) يطرح أكثر من علامة استفهام حول حرية الاختيار.
كما أن تفاوت الأسعار، رغم وحدة البنية التحتية، يفتح نقاشًا حول العدالة في التسعير.
الخلاصة: حرب صامتة… والمواطن في الوسط
ما نعيشه اليوم ليس مجرد اختلاف في العروض، بل هو حرب صامتة بين ثلاثة فاعلين:
- فاعل تاريخي يملك الأرض
- ومنافسان يحاولان كسب المعركة عبر السعر
وفي وسط هذه الحرب، يقف المواطن المغربي، حاملاً جهاز الراوتر في يد، وفاتورة الشهر في اليد الأخرى، محاولًا أن يفهم:
هل هو زبون.. أم مجرد حلقة ضعيفة في معادلة أكبر؟
الشيء المؤكد أن المنافسة، رغم كل شيء، أنقذت السوق من جمود كان سيكلف المستهلك الكثير.
لكن الطريق لا يزال طويلاً نحو سوق حقيقية، حيث يكون السعر عادلاً، والخدمة شفافة، والاختيار حرًا… دون شروط مخفية أو “مكالمات ثابتة” تُفرض كما تُفرض الضرائب.




