الفتنة العائلية تبدأ غالبًا من شخص واحد

ضربة قلم
في كل عائلة، صغيرة كانت أو كبيرة، هناك دائمًا ذلك الشخص -وغالبًا ما تكون امرأة – الذي لا يهنأ له بال إلا إذا أشعل نار الفتنة، وزرع بذور الشك، ونفخ في الرماد حتى تتحول الجلسة العائلية الهادئة إلى حلبة مصارعة كلامية. وكأن مهمته في هذه الدنيا ليست سوى “إدارة الأزمات الداخلية”، لكنه لا يسعى للحل أبدًا، بل يصنع الأزمات ليتلذذ بتفكك العلاقات.
هواية تصيّد الأخطاء
هذا النوع من الناس يملك رادارًا خاصًا، يلتقط أدق التفاصيل التي قد تمر مرور الكرام على الجميع.
إذا تأخرتَ عن مناسبة عائلية، يصبح عنده دليلًا على أنك “لا تحترم العائلة”.
إذا اشتريت شيئًا جديدًا، يبدأ بتحليل مصدر المال ويثير الغيرة في قلوب الآخرين.
إذا ضحكتَ مع أحد الأقارب، سيذهب لآخر ليقول له: “شفت كيف دار عليك؟ راه كيضحك عليك من وراك”.
إنه نوع من “المخبر العائلي”، لكنه لا يعمل لحساب الأمن، بل لحساب غريزته العدوانية التي لا تشبع.
من التصيّد إلى الافتراء
الأخطر من ذلك هو حين لا يجد ما يتصيّد. هنا يتحول إلى مُخترع قصص محترف. يفتعل الأحداث من لا شيء، ويحوّر الكلمات، ويزرع جملة صغيرة في أذن هذا، ويزيد عليها قليلاً في أذن ذاك، ثم يجلس في كرسي المتفرج ليرى كيف تتحول تلك “الشرارة الصغيرة” إلى لهب يأكل الأخضر واليابس داخل العائلة.
هو يدرك أن لا شيء يدمر العلاقات الإنسانية مثل الشكوك والاتهامات، فيستعملها كسلاح قاتل.
عدوانية مغلّفة بالابتسامة
الفتّان أو الفتّانة ليسوا بالضرورة أشخاصًا صاخبين أو مكشوفين. بالعكس، تجدهم أحيانًا هادئين، يتكلمون بلطف، ويُظهرون حرصًا زائفًا على “لمّة العائلة”. لكن خلف هذا القناع تختبئ شخصية عدوانية، تجد متعتها القصوى في رؤية الخلافات تنفجر هنا وهناك.
والأدهى أنهم يتلذذون بالمشهد كما يتلذذ المشجعون بمباراة كرة قدم: يتابعون من بعيد، ويضحكون سرًا كلما ارتفع صوت، أو تشابكت الأيدي، أو انقطعت صلة رحم بسبب كلمة أطلقوها في لحظة.
الأثر على العائلة
وجود شخص كهذا في العائلة يشبه وجود “فيروس” في الجسد: صغير الحجم لكنه قادر على تدمير المنظومة كلها إذا لم يُتعامل معه بحذر.
التفرقة بين الإخوة: يُزرع الشك بينهم في الميراث، أو في معاملة الوالدين.
الغيرة بين النساء: يقارن بين الزوجات أو البنات بطريقة مسمومة.
القيل والقال المستمر: يجعل كل فرد يتوجس من الآخر وكأن العائلة تحولت إلى “حلبة للمؤامرات”.
لماذا يفعلون ذلك؟
الأسباب متعددة، وغالبًا ما ترتبط بعُقد نفسية أو شعور بالنقص:
حب السيطرة: إشعال المشاكل يمنحهم شعورًا بالقوة لأن الكل يصبح مشغولًا بما أثاروه.
الملل: بعض الناس لا يجدون متعة في حياتهم إلا حين يخلقون حدثًا دراميًا.
الغيرة: رؤية الآخرين يعيشون في انسجام يثير داخلهم شعورًا بالاختناق، فيسعون لإفساده.
الانتقام: أحيانًا يكون الأمر نتيجة تراكم ضغائن مجانية قديمة يجدون الفرصة لتفجيرها عبر الفتنة
كيف يمكن التعامل معهم؟
التجاهل: أفضل سلاح أمام الفتّان هو عدم منحه وقودًا.
المصارحة: كشف ألاعيبه أمام الجميع يجعله يفقد هيبته.
تحديد المسافة: تقليل الاحتكاك به أو بها قدر الإمكان يخفف من أضرار “سمومهم”.
الاتحاد العائلي: حين تدرك العائلة أن هناك شخصًا يتلاعب بها، يصبح الوعي الجماعي جدارًا واقيًا.
الخلاصة
وجود شخص فتّان في العائلة ليس مجرد أمر عابر، بل هو عامل أساسي في إضعاف الروابط العائلية. المشكلة ليست في “الكلام” الذي يقوله، بل في “الثقة” التي يُفسدها. فالعلاقات الأسرية تقوم على المحبة والصدق، وعندما يُزرع فيها الشك، تنهار تدريجيًا.
لذلك، فإن مواجهة هذه الشخصية لا تكون بالصراع المباشر فقط، بل بالوعي واليقظة، وبناء حصانة جماعية تجعل نار الفتنة تنطفئ قبل أن تلتهم الجميع.




