ضربة قلم
حسب ما ذكره بعض مستخدمي فيسبوك، يُنسب لمجلة The Fake الأمريكية، نشر مقال أسبوعي لكريستوفر نولان، الذي لا يبدو إن كان معنيًا بكرة القدم بقدر ما كان مشغولًا بتشريح العقلية، التي تُدار بها الهزيمة، وتُصاغ بها الأسطورة، ويُعاد من خلالها إنتاج الخطاب البطولي ،خارج منطق النتائج والمعطيات. فالنص، في جوهره، ليس مديحًا تقليديًا بقدر ما هو مرآة ساخرة تعكس طريقة تفكير، ترى في الإخفاق دليل عظمة، وفي العجز مؤامرة، وفي الصراخ بديلاً عن التحليل.
حين يتوقف الكاتب عند المؤتمر الصحفي لحسام حسن، فهو لا يناقش خطة لعب، أو اختيارات تقنية، بل يلتقط الشخصية بوصفها تمثيلاً رمزيًا لـ“المسؤول الفرعوني”، كما يسميه، ذلك المسؤول الرياضي، الذي لا يعترف بتفوق الخصم، مهما اتسعت الفوارق، لأنه مؤمن بقدرات خفية لا تُقاس بالأرقام، ولا تُرصد بالإحصائيات. هنا يشتغل نولان على قلب المفاهيم: الإرادة محل الأداء، والحماس بدل التنظيم، والنوايا بدل الوقائع.
ويبلغ النص ذروته الساخرة، حين يستحضر مقولة “أن إفريقيا كلها لا تريد وصول مصر إلى النهائي”، ليحوّلها إلى مفتاح ذهني، يشرح من خلاله، منطق الهروب إلى الخارج: حين نعجز عن تفسير الخسارة من داخلها، نصنع لها أعداءً في الخارج. القارة، التحكيم، الإعلام، العالم… الجميع متآمر، لأن “البعبع” لا يُهزم إلا بتآمر كوني.
وفي هذا السياق، لا تأتي الإشارة إلى السياسات الأمريكية، أو قوائم المنع، من باب السياسة، بل كامتداد لنظرية المؤامرة نفسها، حيث تتداخل الرياضة بالهجرة، والتكتيك بالتأشيرة، والمباراة بالجغرافيا. نولان يسخر من هذا التشابك العبثي، لا عبر نفيه، بل عبر المبالغة فيه حتى الفضح.
أما تجاهل الأرقام الصادمة في المباراة – ركنية متأخرة، تسديدة يتيمة، غياب فعلي عن مناطق الخطر – فليس سهوًا، بل مقصودًا. الكاتب يريد أن يقول إن هذه الثقافة لا ترى الأرقام أصلًا، لأنها تعتبرها مؤامرة بحد ذاتها. فالهزيمة لا تُفسَّر بسوء الإعداد أو محدودية الأداء، بل بـ“عمل” و“حسد” وطاقات خفية، إلى حدّ الانزلاق، إلى صور عبثية، من قبيل “كتف الجمل” و”المباراة المتخيَّلة”.
وحين يصل نولان إلى توصيف حسام حسن، بوصفه “فكرة لا شخصًا”، فهو يضع إصبعه، على جوهر النص: الرجل ليس حالة فردية، بل تجسيد ذهني، لعقل جماعي يرى في الكبرياء، تعويضًا عن الفشل، وفي الصوت العالي، بديلًا عن المشروع، وفي الماضي، ستارًا كثيفًا يحجب الحاضر.
أما الخاتمة، حيث يعلن الكاتب رغبته، في تحويل هذه التجربة، إلى عمل سينمائي هوليوودي، فهي ذروة السخرية: فالمأساة، حين تتكرر بلا مراجعة، تتحول إلى مادة للفرجة. وهنا يلتقي نولان السينمائي بنولان الكاتب، ليقول ضمنيًا، إن بعض الوقائع لم تعد تُناقَش بوصفها أخطاء، بل تُشاهَد بوصفها عرضًا متكررًا.
النص، في مجمله، ليس هجومًا على شخص حسام حسن، بقدر ما هو محاكمة لثقافة كاملة: ثقافة ترفض النقد، تكره الأرقام، تعشق الأسطورة، وتفضّل تفسير العالم، عبر المؤامرة بدل مواجهته بالعقل والعمل.
إنه نص ساخر، لكنه موجع… لأن السخرية فيه، ليست بعيدة عن الواقع.