الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الفقراء حين يغمرهم الماء مرتين

م-ص

لم تكن الفيضانات التي شهدتها بعض المدن المغربية، مجرّد حدث مناخي عابر، بل كانت لحظة كاشفة، قاسية، كشفت هشاشةً قديمة ظلت لسنوات محجوبة، خلف عناوين التنمية، ومشاريع الإسمنت، وخطابات الطمأنة. حين ارتفع منسوب المياه، لم تغرق الأزقة فقط، بل طفت معها حياة كاملة، كانت تعيش أصلًا على الهامش.

الفقراء لم يفاجئهم الماء، بقدر ما أكمل ما بدأه الفقر منذ زمن. فهؤلاء الذين يسكنون قرب الأودية، وفي أطراف المدن، وفي بيوت وُلدت خارج خرائط التهيئة، يعرفون جيدًا معنى الخطر، ويعرفون أكثر معنى الانتظار. انتظار وعود السكن اللائق، وانتظار البنية التحتية، وانتظار أن يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين لا أرقامًا مؤقتة.

حين داهمت الفيضانات بيوتهم، لم يكن لديهم ما يُنقذ سوى أجسادهم. خرجوا كما هم، حفاة أحيانًا، مذهولين دائمًا، يلتفتون إلى الخلف لا لشيء، إلا ليودّعوا أماكن لم تكن مثالية، لكنها كانت الوطن الوحيد الممكن. في تلك اللحظات، يصبح البيت أكثر من جدران؛ يصبح ذاكرة، وحياة، وأمانًا هشًّا انهار دفعة واحدة.

تحوّلت أسر كاملة، إلى ما يشبه اللاجئين داخل مدنهم. مدارس وملاعب وقاعات عمومية، صارت ملاجئ مؤقتة، أغطية قليلة، نظرات شاردة، وأطفال لا يفهمون لماذا انتهت حياتهم القديمة فجأة. لا حرب في الأخبار، ولا حدود عبرُوها، ومع ذلك كانوا يحملون في عيونهم التعب نفسه، الذي يحمله اللاجئون في نشرات المساء.

المؤلم في المشهد، ليس فقط فقدان المأوى، بل الإحساس العميق باللاعدالة. فالماء، حين ينزل، لا يميّز، لكنه حين يفيض، يعرف جيدًا أين يتجه. يتجه دائمًا نحو الأضعف، نحو الأحياء المنسية، نحو البيوت التي لم تُحصَّن، لأن أصحابها، لم يملكوا يومًا رفاهية الاختيار.

بعد انحسار المياه، تبدأ معاناة أخرى، أقل ضجيجًا وأكثر قسوة. أسئلة بسيطة، تتحول إلى أعباء ثقيلة: أين سننام؟ متى نعود؟ هل سنعود أصلًا؟ الفيضانات تنتهي في نشرات الأخبار، لكن آثارها، تبقى في تفاصيل الحياة اليومية: في طفل انقطع عن مدرسته، في أم فقدت كل ما ادّخرته، في أب يشعر، للمرة الأولى، أن الفقر هزمه علنًا.

هذه الفيضانات لم تخلق الفقر، لكنها عرّته. لم تصنع الهشاشة، لكنها وضعتها تحت الضوء. وأعادت طرح السؤال القديم نفسه، بصوت أعلى: إلى متى سيظل الفقراء يدفعون ثمن سياسات، لم يشاركوا في صنعها، وتخطيط لم يُراع وجودهم؟

حين تجف الطرقات، وتعود الحركة إلى طبيعتها، سيُعاد فتح الملفات، وستُطلق الوعود من جديد. غير أن الفقراء، سيبقون حيث هم، ينتظرون المطر القادم، لا لأنهم يحبون المأساة، بل لأنهم لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه.

في النهاية، ليست الفيضانات امتحانًا للطبيعة وحدها، بل امتحانًا للعدالة الاجتماعية. فالأمطار قدر، لكن أن يتحول الفقر إلى مصير، فتلك مسؤولية البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.