الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الفقر… الضيف الذي لم يغادر

ضربة قلم

يبدو أنه ومن كثرة الحملات التضامنية ضد الفقر، أبى هذا الأخير إلا أن يستقر بيننا كجارٍ عنيدٍ لا يعرف للرحيل سبيلًا. كلما اجتمعنا على طرده من الحي، يردّ بابتسامة صفراء: “أشكركم على حسن الاستضافة… لقد أصبحت فردًا من العائلة!”.
الفقر عندنا لم يعد مجرد حالة اجتماعية، بل تحوّل إلى “مؤسسة” لها كيانها وموظفوها وناطقوها الرسميون. كل مؤتمر اقتصادي ينطق باسمه، كل جمعية خيرية تقتات على ذكره، وكل سياسي يرشح نفسه ببرنامجه، يجعل الفقر هو البطاقة الذهبية للوصول إلى السلطة. صار كالعروس التي تُخطب في كل موسم انتخابي، لكن الزواج لا يتم أبدًا.
التضامن… وقود حياة الفقر
الطريف أن الحملات التضامنية التي نطلقها من أجل القضاء عليه، تحولت بقدرة قادر إلى أوكسجين ينعش أنفاسه. نعلن “قافلة لمساعدة الفقراء”، فيتحمس الفقر ويشعر بأنه حاضر في قلب المشهد. نقيم “يومًا وطنيًا لمحاربة الفقر”، فيضحك ساخرًا: “أنتم تحتفلون بي أكثر مما تحتفلون بعيد الاستقلال”.
بل إن الفقر اكتشف ذكاءً خارقًا في التكيّف: كلما أرسلنا له مساعدات غذائية، يلتقطها ويضاعف أعداد المستفيدين، كأنه يقول: “أنا لست شخصًا، أنا مؤسسة استثمارية مربحة!”. الجمعيات بدورها لا تُنكر فضله، فهو سبب وجودها، وشريان تمويلها. فلو رحل، لاختفت آلاف اللافتات والندوات و”التقارير الميدانية”.
هل نتضامن معه إذن؟
إذا كان التضامن مع الفقراء لم يُنهِ الفقر، بل جعله أكثر تجذرًا، فلِمَ لا نُجرّب التضامن مع الفقر نفسه؟ نعم، نفتح له حسابًا بنكيًا، ونبني له نصبًا تذكاريًا في الساحات العامة، ونكتب على مدخل المدن: “مرحبا بكم في المملكة المغربية… أرض الفقر الكريم”. بهذا الشكل، سنُشعره بالرضا، وربما يملّ من الاهتمام المفرط فيقرر أن يرحل من تلقاء نفسه.
الفقر… بطل لا يُهزم
والأدهى أن الفقر صار يُعاملنا وكأننا نحن الضيوف على أرضه، لا العكس. يفرض علينا أسلوب حياة محددًا: قروض هنا، ديون هناك، تقشف إجباري، أحلام مؤجلة، وابتسامات منزوعة. نحن من نتكيّف معه، لا هو من ينحسر أمامنا. كأنه يقول: “أنا الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى دعاية”.
خاتمة 
وهكذا، فبدل أن نرفع شعار “محاربة الفقر”، ربما حان الوقت لنعلن “التضامن مع الفقر” رسميًا. نُصدر له بطاقة وطنية، نُعيّن له وزيرًا في الحكومة، ونُدرّسه كمادة أساسية في المدارس. على الأقل نكفّ عن خداع أنفسنا، ونعيش الحقيقة كما هي: الفقر بيننا، ينمو مثل نبات بريّ، ولا يزول إلا حين نصبح جادّين لا في “التضامن” معه، بل في خلعه من الجذور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.