
ضربة قلم
من غرائب هذا اليوم، بل من غرائب أيامنا هذه، أنني خرجت صباحاً لقضاء بعض الأغراض العادية التي لا تثير عادة أي انتباه. توجهت إلى إحدى الوكالات المختصة بأداء فواتير الهاتف والأنترنت، وهي خدمة يلجأ إليها يومياً مئات المواطنين لأداء ما عليهم من مستحقات. وبعد أن سلمت المبلغ المطلوب وانتظرت استرجاع ما تبقى من الصرف، فوجئت بالمستخدمة تحتفظ بما يقارب خمسين سنتيماً دون أن تكلف نفسها عناء السؤال أو الاعتذار أو حتى البحث عن حل. ثم أضافت بكل بساطة أنها لا تتوفر على درهم، كان من المفروض أن تعيده لي ضمن الباقي، قبل أن تنهي العملية، وكأن الأمر عادي جداً لا يستحق النقاش.
في تلك اللحظة، لم يكن المبلغ هو ما أثار استغرابي. فالحديث لا يتعلق بدرهم أو نصف درهم، ولا بأزمة مالية، ستتوقف على تلك القطع النقدية الصغيرة. لكن ما أثار انتباهي هو سهولة تحول حق الزبون إلى أمر ثانوي، وسهولة التعامل مع أموال الناس وكأنها تفاصيل لا تستحق الاحترام.
انصرفت وأنا أقول في نفسي، إن الأمر قد يكون مجرد حالة معزولة أو سهو عابر، وإن الموظفة، ربما كانت بالفعل لا تتوفر على القطع النقدية اللازمة. غير أن ما وقع مساءً جعلني أعيد النظر في الأمر كله.
فقد قصدت أحد الفضاءات التجارية الكبرى التي أصبحت تنتشر بشكل لافت في مختلف المدن، وتتميز بمحلاتها ذات اللون الأصفر الجذاب وتنظيمها العصري الذي يوحي للزبون، بأنه أمام مؤسسة حديثة، تعتمد أعلى معايير الاحترافية. تجولت بين الأروقة، اقتنيت بعض الحاجيات، ثم توجهت إلى صندوق الأداء.
وكما يحدث في كثير من الأحيان، تبخر جزء من الباقي مرة أخرى. أربعون سنتيماً هذه المرة، مبلغ صغير آخر ينضاف إلى قائمة المبالغ التي أصبحت تضيع في صمت ودون نقاش. لكن ما أثار استغرابي أكثر، أنني كنت قد قررت، في اللحظة الأخيرة، اقتناء سلة صغيرة كانت معروضة قرب صندوق الأداء، قبل أن أتراجع عن الفكرة وأعيدها إلى مكانها. غير أن الشاب المكلف بالصندوق احتسبها ضمن الفاتورة رغم ذلك، لتختفي قيمة درهم إضافي من العملية. والمفاجأة أنني لم أنتبه إلى هذا الخطأ إلا بعد عودتي إلى المنزل ومراجعتي لوصل الأداء، لأكتشف أن السلة التي لم أغادر بها المتجر، كانت حاضرة بكل بساطة في الحساب النهائي.
هنا بدأت أتساءل: هل يتعلق الأمر فعلاً بالسهو؟ أم أننا أمام ظاهرة أصبحت تتكرر إلى درجة تدعو إلى القلق؟
قد يقول البعض إن الحديث عن درهم أو خمسين سنتيماً أو أربعين سنتيماً نوع من المبالغة. لكن دعونا نفكر قليلاً في الأمر من زاوية أخرى.
إذا احتفظ متجر بخمسين سنتيماً فقط من كل زبون، وكان يستقبل ألف زبون في اليوم، فإن المبلغ يصل إلى خمسمائة درهم يومياً. وإذا تكرر الأمر شهراً كاملاً، فإننا نتحدث عن خمسة عشر ألف درهم. أما إذا تعلق الأمر بسلسلة تضم عشرات المتاجر عبر البلاد، فإن الأرقام تصبح أكبر بكثير، مما قد يتخيله البعض.
المشكلة إذن، ليست في قيمة القطعة النقدية الواحدة، بل في تراكمها. ليست في الخمسين سنتيماً، بل في ملايين السنتيمات، التي قد تنتقل من جيوب المواطنين إلى جهات أخرى دون أن يشعر أحد.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات، بدأت تتحول تدريجياً إلى سلوك مألوف. فالزبون أصبح يدخل المتجر، وهو يتوقع مسبقاً أن جزءاً من الباقي لن يعود إليه. وأصبح البعض يتعامل مع الأمر باستسلام غريب، وكأن من الطبيعي، أن يضيع درهم هنا أو نصف درهم هناك.
بل إن بعض المحلات، أصبحت تعتمد بشكل شبه دائم على عبارة واحدة تتكرر يومياً: “لا توجد فكة”. والمفارقة أن الزبون مطالب دائماً بأن يؤدي المبلغ كاملاً، بينما لا يبدو أن المؤسسة ملزمة دائماً بإرجاع الباقي كاملاً.
ومن المؤسف أن هذا السلوك لا يقتصر على نوع واحد من المحلات أو الخدمات. فقد أصبح المواطن يصادفه في بعض المقاهي، وبعض المتاجر، وبعض وكالات الخدمات، وأحياناً حتى في بعض المرافق، التي يفترض أن تكون أكثر التزاماً بالدقة والشفافية.
ولا يعني ذلك إطلاقاً تعميم الاتهام على جميع التجار أو المستخدمين. فما زالت هناك مؤسسات تحترم زبناءها، وتحرص على إعادة كل سنتيم إلى أصحابه، بل إن بعضها يبحث عن حلول بديلة، عندما تنعدم القطع النقدية، سواء عبر تقريب المبلغ لصالح الزبون أو تقديم بدائل تحفظ حقه كاملاً.
لكن وجود نماذج إيجابية، لا ينفي وجود ظاهرة آخذة في الاتساع تستحق التوقف عندها.
إن احترام الزبون لا يقاس فقط بجودة الخدمات أو أناقة المحلات أو الحملات الإشهارية الضخمة، بل يقاس أيضاً بالالتزام الصارم بحقوقه، مهما كانت بسيطة. فالدرهم الذي قد يبدو تافهاً في نظر البعض، هو حق لصاحبه، واحترام هذا الحق هو أساس الثقة التي تقوم عليها أي معاملة تجارية سليمة.
وقد يكون من الضروري أن تتحرك الجهات المختصة، لحث المؤسسات التجارية والخدماتية على توفير وسائل الأداء المناسبة والقطع النقدية الكافية، حتى لا يتحول غياب “الفكة” إلى ذريعة دائمة، تبرر اقتطاع مبالغ صغيرة من الزبناء. كما أن على المستهلك نفسه، أن يكون أكثر يقظة وأن يراجع فواتيره بدقة قبل المغادرة، لأن الكثير من الأخطاء أو التجاوزات، تمر ببساطة بسبب التسرع أو الثقة المطلقة.
وفي النهاية، قد يبتسم البعض عند قراءة هذه السطور ويقول إن الأمر لا يعدو أن يكون بضع سنتيمات لا أكثر. لكن التجارب اليومية، تعلمنا أن كثيراً من الظواهر الكبيرة، تبدأ من تفاصيل صغيرة، وأن التساهل مع ضياع الحقوق البسيطة، قد يفتح الباب أمام التطبيع مع ممارسات أخطر وأكبر.
فاليوم هو درهم، وغداً درهمان، وبعد غد قد تصبح المسألة، ثقافة كاملة قائمة على استغلال انشغال الزبون أو حيائه أو عدم رغبته في الدخول، في نقاش من أجل بضعة سنتيمات. والحقيقة أن قيمة المبلغ ليست هي القضية، بل المبدأ نفسه. فحقوق الناس لا تقاس بحجمها، وإنما بوجوب احترامها.
لذلك، فإن الحيطة مطلوبة، والتدقيق واجب، ومراجعة الفاتورة، قبل مغادرة الصندوق، أصبحت اليوم ضرورة أكثر منها مجرد احتياط. فبين درهم ضائع هنا وآخر هناك، قد يجد المواطن نفسه، في نهاية المطاف، أمام نزيف يومي صامت ،لا يشعر به إلا عندما يجمع تفاصيله المتفرقة.




