
ضربة قلم
ما يحدث داخل بيت اليسار المغربي هذه الأيام ،يصلح لأن يكون مادة دسمة لمسلسل سياسي بعنوان: “رفاق الأمس… وفضائح اليوم”.
فبعد الفيديو الذي نشره حميد المهداوي، والذي لم يكن مجرد شريط عابر، في فضاء افتراضي مزدحم، بل أشبه بحجر ضخم أُلقي في بركة راكدة، اهتزت معها أركان اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة، وارتفعت معها حرارة الأسئلة أكثر من حرارة البيانات التوضيحية.
الفيديو لم يُسقط حكومة، ولم يُعلن حالة طوارئ، لكنه – ويا للمفارقة – أطاح بصمت طويل، وحرّك كواليس كان يُعتقد أنها محصنة بالرفاقية والتاريخ المشترك. والنتيجة؟ استبعاد يونس مجاهد من المكتب السياسي لـ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وكأن لسان حال البعض يردد الآية الكريمة: “عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”… لكن الخير هنا، يبدو أنه وزّع بشكل غير متساوٍ.
زلزال بلا جهاز إنذار
الزلزال لم يقع في مقر الحزب فقط، بل داخل ما تبقى من صورة “الهيبة التنظيمية” لقطاع الصحافة. لجنة مؤقتة لتسيير القطاع، مجلس وطني للصحافة، نقابة، أحزاب… وكلها فجأة تتحول إلى فضاء مفتوح لتبادل الروايات، والاعترافات المتأخرة، و”كشف المستور” بعد عقود من الصمت الرفاقي.
في السياسة المغربية، غالباً ما تأتي الشجاعة متأخرة… بعد أن تتبدل المواقع، وتتغير الولاءات، وتبرد الكراسي.
عبد الهادي خيرات… يوميات المكاشفة أم حسابات اللحظة؟
ثم جاء الدور على عبد الهادي خيرات، القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي، والملتحق حديثاً بـ حزب التقدم والاشتراكية، أو كما يحلو للبعض تسميته “حزب الرفاق بنكهة موسمية”.
في الحلقة 11 من يومياته التي يبثها موقع أشكاين، فتح خيرات صندوق الذكريات… أو صندوق المفاجآت، وأكد أنه هو من استقطب يونس مجاهد إلى الحزب.
وحتى لا يمر السرد عادياً، أضاف مشهداً درامياً: كان يُوصل أمينة بوعياش إلى سجن القنيطرة، حيث كان مجاهد يقضي عقوبة حبسية.
السياسة عندنا لا تُروى كوقائع، بل كحكايات بطعم النوستالجيا… فيها السيارة، والسجن، والرفيق، والزعيم، والمواقف النبيلة التي تظهر فجأة بعد سنوات.
العمل المزدوج… والغياب المتعمد
الأكثر إثارة – بحسب خيرات – أن مجاهد كان يشتغل في مؤسسة إسبانية بالتوازي مع عمله في جريدة الاتحاد الاشتراكي، مع غياب متعمد أثار غضب خالد عليوة، الذي كان يرغب -حسب الرواية – في التشطيب عليه.
هنا تبدأ السخرية في كتابة نفسها بنفسها:
-
صحفي يعمل في الخارج،
-
يغيب عن الجريدة الحزبية،
-
يثير غضب مسؤول تنظيمي،
-
ثم يصبح لاحقاً على رأس نقابة الصحفيين،
-
ويصل إلى رئاسة مجلس الصحافة.
في السياسة المغربية، لا تسأل عن المسار… اسأل عن التحالفات وعن واقع الكواليييييس..
سؤال خيرات… ماذا كتب الرجل؟
تساءل خيرات باستغراب: ماذا كتب الرجل كصحفي في هذا المشوار؟
السؤال في ظاهره مهني، لكنه في عمقه سياسي بامتياز.
ففي بلادنا، أحياناً لا يُقاس الصحفي بما كتب، بل بمن دعم، وبأي تيار اصطف، وبأي توازن خدم.
وهنا المفارقة الساخرة:
الذي يُستقطب بدافع الرفقة، ويُحمى بدافع التضامن، ويُزكّى بدافع التوافق، يُسأل اليوم فجأة: “ماذا كتب؟”
كأن الذاكرة الحزبية لا تستيقظ، إلا بعد انتهاء الصلاحية السياسية.
مشهد عبثي بامتياز
ما نراه اليوم ليس مجرد خلاف أشخاص، بل صورة مكبرة لأزمة أعمق:
-
أحزاب تستدعي الماضي لتصفية الحاضر.
-
قيادات تتحدث بعد مغادرة المواقع.
-
صحافة تتحول إلى ساحة صراع سياسي.
-
ومواطن يتابع المشهد، كما يتابع مباراة بلا حكم.
السخرية ليست في الوقائع، بل في التوقيت.
لماذا الآن؟
ولماذا بعد الفيديو؟
ولماذا حين تغيرت المواقع؟
عسى أن تكرهوا شيئا…
ربما بالفعل “عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.
فالأزمات – مهما كانت مؤلمة – تكشف ما كان مخفياً، وتُسقط الأقنعة، وتدفع الرأي العام لطرح أسئلة كان يؤجلها.
لكن المشكلة ليست في سقوط الأسماء، بل في غياب مراجعة حقيقية للمنظومة التي صنعت هذه الأسماء والمسارات المتناقضة.
فإن كان السؤال: ماذا كتب؟
فالسؤال الأهم: كيف وصل؟
ومن زكّى؟
ومن صمت؟
ومن استفاد؟
في النهاية، المشهد لا يحتاج إلى تعليق ساخر، بقدر ما يحتاج إلى ذاكرة جماعية قصيرة الأمد… لأن السياسة عندنا، كما يبدو، لا تموت فيها الحقائق، بل تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتُبعث من جديد… على شكل يوميات في الحلقة 11.




