القانون الجديد للمسطرة الجنائية: محطة مفصلية في تحديث العدالة الجنائية بالمغرب

ضربة قلم
نشرت الجريدة الرسمية عدد 7437 الصادرة بتاريخ 8 شتنبر 2025 النص الكامل للقانون الجديد للمسطرة الجنائية، الذي سيدخل حيّز التنفيذ ابتداءً من 8 دجنبر المقبل. ويُعتبر هذا القانون خطوة نوعية في مسار تحديث منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، حيث جاء بمقتضيات تروم تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات الفردية وضمان فعالية العدالة وحسن سيرها.
خلفية الإصلاح
يأتي هذا القانون استجابةً لمطالب مجتمعية وحقوقية طال انتظارها، إذ ظلت النصوص السابقة محل انتقادات بسبب محدودية الضمانات الممنوحة للمشتبه فيهم، واستمرار اعتماد الاعتقال الاحتياطي بشكل واسع، فضلاً عن بطء الإجراءات القضائية. الإصلاح الجديد يندرج كذلك في إطار التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتوصيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة.
أبرز المستجدات
1. تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة
-
تكريس حق المتهم في الاستعانة بمحام منذ المراحل الأولى للتحقيق.
-
توسيع نطاق الترجمة الفورية للأشخاص غير الناطقين بالعربية أو الأمازيغية.
-
إلزامية تسجيل بعض جلسات الاستماع بالصوت والصورة كآلية لحماية حقوق الموقوفين.
2. ترشيد الاعتقال الاحتياطي
-
تقليص الحالات التي يمكن فيها اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، واعتماد بدائل أكثر إنسانية كالسراح المشروط أو المراقبة القضائية.
-
فرض آجال محددة وصارمة لمراجعة أوامر الاعتقال الاحتياطي.
3. بدائل العقوبات السالبة للحرية
-
إقرار العمل للمصلحة العامة كعقوبة بديلة.
-
توسيع إمكانيات الغرامات التصاعدية.
-
اعتماد المراقبة الإلكترونية كخيار يوازن بين حماية المجتمع وضمان اندماج الجانحين.
4. رقمنة الإجراءات
-
اعتماد التبليغ الإلكتروني للمتقاضين، وتسهيل متابعة الملفات عبر منصات رقمية.
-
تمكين المحامين من تقديم طلباتهم ومذكراتهم إلكترونياً.
5. تعزيز حماية الضحايا
-
توفير مساطر خاصة لحماية الضحايا، خصوصاً في جرائم العنف ضد النساء والأطفال.
-
إمكانية إبعاد المشتبه فيه عن الضحية قبل صدور الحكم النهائي.
معضلات ودوافع الطعن: لماذا أثار المشروع حفيظة البعض؟
رغم الترحيب العام بالإصلاح، إلا أن القانون الجديد لم يَسلم من انتقادات حادة وُجّهت له من جهات حقوقية وقانونية، بل وحتى من المحكمة الدستورية التي أسقطت بعض مواده.
-
قضايا فصل السلطات واستقلالية القضاء: المحكمة الدستورية اعتبرت أن بعض المقتضيات تُخِلّ بمبدأ فصل السلط، كإسناد صلاحيات إجرائية حساسة لجهات حكومية قد تؤثر في استقلالية القضاء أو في تدبير النظام المعلوماتي الخاص بتوزيع القضايا. لذلك قضت بعدم دستورية بعض المواد.
-
غياب ضوابط دقيقة لبعض الصلاحيات: القانون منح النيابة العامة إمكانية الطعن في مقررات حائزة لقوة الشيء المقضي به، دون تحديد حالات موضوعية واضحة، وهو ما اعتُبر مساساً بمبدأ الأمن القضائي.
-
دعوات للإحالة الشاملة على المحكمة الدستورية: عدد من الجمعيات الحقوقية طالب بإحالة النص بكامله على المحكمة الدستورية للبت في مطابقته للدستور قبل نشره، من أجل طمأنة الرأي العام وضمان الشرعية الدستورية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً في الإعلام والأوساط الحقوقية.
رهانات التطبيق
رغم أهمية هذه المستجدات، فإن نجاح القانون يظل رهيناً بمدى قدرة المؤسسات القضائية والأمنية على تنزيله ميدانياً. فالتحديات المرتبطة بالموارد البشرية، والبنية التحتية التكنولوجية، والتكوين المستمر للقضاة والمحامين ورجال الأمن، كلها عوامل قد تؤثر على سرعة وفعالية التطبيق.
أفق الإصلاح
يدخل القانون الجديد حيّز التنفيذ في ظرفية دقيقة، حيث يشهد المغرب تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية تتطلب عدالة ناجعة وموثوقة. ومن شأن هذا الإصلاح أن يُعيد الثقة في المنظومة القضائية إذا ما جرى تطبيقه بروح نصه ومقاصده، بعيداً عن أي تأويل ضيّق.




