مجتمعسياسة

القرار الصاعقة: دعم الشباب المترشحين بـ35 مليون سنتيم يزلزل مقرات الأحزاب

ضربة قلم

لم يكن صباح ذلك اليوم عادياً داخل مقرات الأحزاب السياسية المغربية، بعدما نزل القرار الجديد المتعلق بدعم الشباب المترشحين للانتخابات بمنحة مالية قد تصل إلى 35 مليون سنتيم كالصاعقة على رؤوس السياسيين، إذ لم يأتِ من النقاش الداخلي أو اقتراح من البرلمان، بل نزل من الفوق في إطار رؤية رسمية تهدف، كما قيل، إلى “تجديد النخب السياسية” و”فتح الباب أمام الشباب للمشاركة السياسية الفاعلة”. ويشير القرار، الذي يعود إلى عشرة أيام مضت، إلى أن هذه المبادرة تأتي في إطار سعي الدولة لتعزيز تمثيلية الشباب والنساء في البرلمان وتشجيع دماء جديدة على دخول السياسة.

وبينما رحّب العديد من الشباب بالقرار واعتبروه خطوة غير مسبوقة قد تفتح لهم أبواب التمثيل دون وساطة الأحزاب، فإن الطبقة السياسية التقليدية تلقّت الخبر بقلقٍ واضح، خاصة وأنه ترافق مع إعلان إمكانية الترشح ضمن لوائح مستقلة دون انتماء حزبي، وهو ما يُهدد – في نظر بعض المحللين – احتكار الأحزاب للمشهد الانتخابي والتمثيلي.

وفقًا للمعطيات الرسمية، فإن الدولة ستتكفّل بما يقارب 75 في المئة من مصاريف الحملة الانتخابية للمترشحين الشباب دون 35 سنة، أي ما يعادل حوالي 35 مليون سنتيم لكل مترشح. ولتحفيز الشباب الذين لا تفوق أعمارهم 35 سنة على ولوج الحقل السياسي، يتوخى هذا المشروع مراجعة شروط ترشحهم وتبسيطها، سواء في إطار التزكية الحزبية أو بدونها، وإقرار تحفيزات مالية مهمة لمساعدتهم على تحمل مصاريف الحملة الانتخابية. كما يقترح المشروع تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لفائدة النساء دعما لحضورهن في المؤسسة النيابية. ويُراد من هذه الخطوة – على الورق – تحفيز الطاقات الشابة على خوض غمار السياسة، وتحريرها من وصاية التنظيمات التقليدية التي ظلت تعتبر الترشح “امتيازاً حزبياً” لا حقاً مواطناً.

غير أن الحديث عن “تحفيز الشباب على المشاركة السياسية” لا يمكن فصله عن ملفٍ آخر ظل لسنوات يُثير الكثير من الجدل داخل المشهد الحزبي، وهو ملف المتاجرة في التزكيات. فكم من شاب طموح وجد نفسه خارج اللعبة لأن التزكية بيعت لميسور في سوقٍ حزبي غير معلن، حيث تحدد الأثمان حسب حجم الدائرة الانتخابية وموقع الحزب فيها. ويعرف المتتبعون أن التزكيات، في كثير من الأحيان، لم تعد تعبيراً عن الكفاءة أو الالتزام الحزبي، بقدر ما أصبحت وسيلة للسمسرة السياسية وتبادل المصالح بين الأعيان والقيادات.
ومن هنا، يرى كثيرون أن أي خطوة جادة لتجديد النخب لا يمكن أن تنجح ما لم تُغلق هذه المنافذ المظلمة التي تُحوّل العملية الانتخابية إلى بازارٍ كبيرٍ تُباع فيه التزكيات وتُشترى الأحلام، وأن سدّ هذا الباب هو المدخل الحقيقي لإعادة الثقة في السياسة، وإلا فسنجد أنفسنا أمام نفس الوجوه، ولكن ببطاقات جديدة وشعارات شبابية مستعارة.

لكن في الواقع، يُنظر إلى هذا الدعم باعتباره تدخلاً فوقياً يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية من جديد. فالأحزاب التي كانت تتحكم في من يدخل ومن يُقصى، تجد نفسها اليوم أمام منافس جديد: شباب مستقلون، ممولون من المال العام، يملكون خطاباً أقرب إلى الشارع، وحضوراً رقمياً أقوى من أطر الأحزاب المتقادمة.

عدد من السياسيين عبّروا عن خشيتهم من أن يتحول هذا الدعم إلى أداة تفريغ للأحزاب بدل تجديدها، وأن يفتح الباب أمام ترشيحات موسمية أو “تجريبية” قد لا تستند إلى رؤية أو مشروع سياسي حقيقي. في المقابل، يرى الشباب أن الدولة أخيراً تدخلت من فوق لتكسر احتكار الأحزاب لمجال الترشيح وتعيد التوازن إلى العملية الديمقراطية التي احتُجزت لسنوات في مكاتب الزعامات.

من جهة أخرى، ربط مراقبون بين هذا القرار والتحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب، معتبرين أنه رسالة سياسية مزدوجة: من جهة، تأكيد على أن التجديد قادم ولو من خارج الأحزاب، ومن جهة ثانية، تنبيه لهذه الأخيرة بأن زمن “الكوطا الحزبية” و”التزكية بالولاء” قد ولى أو بدأ يترنح.

ويبقى السؤال المطروح اليوم:
هل سيستغل الشباب هذه الفرصة لبناء مسار سياسي نظيف ومستقل فعلاً؟ أم أننا أمام إعادة توزيع للأدوار تحت نفس السقف القديم؟

الجواب سيتضح عند أول امتحان انتخابي، حين يلتقي “القرار النازل من الفوق” مع “الشارع الصاعد من الأسفل”… وهناك فقط سنعرف من يملك فعلاً مفاتيح التغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.