القضاء يتحرك.. رؤوس قناة تمازيغت أمام العدالة!

ضربة قلم
في مشهد جديد يعيد طرح سؤال الشفافية داخل الإعلام العمومي المغربي، تفجّرت مؤخراً قضية ثقيلة هزّت أروقة قناة “تمازيغت”، بعدما تمّت إحالة عدد من مسؤوليها السابقين على القضاء، في ملفات يُشتبه في ارتباطها باختلاس وتبديد المال العام، والتلاعب في الصفقات الخاصة بالإنتاج التلفزيوني. القضية ليست مجرد نزاع إداري عابر، بل زلزال حقيقي داخل مؤسسة يُفترض فيها أن تكون منارة للهوية الأمازيغية والنزاهة المهنية.
القناة التي وُلدت في أحضان الحلم الثقافي الأمازيغي، لتمنح الصوت والوجه لملايين المغاربة الناطقين بالأمازيغية، تجد نفسها اليوم وسط دوامة من الاتهامات، تطال مسؤولين كباراً كان يُنظر إليهم يوماً كرموز للتجربة الإعلامية البديلة. غير أن ما تكشفه التحقيقات يشير إلى أن وراء الأضواء البراقة كانت هناك “كواليس” مليئة بالظلال، حيث أموال الإنتاج، والصفقات العمومية، والبرامج الثقافية تحوّلت إلى مساحة غامضة يغيب عنها الحساب.
تقول تفاصيل الملف إن الصفقات التي جرى تمريرها خلال سنوات مضت لم تكن دائماً تخضع للمنافسة الشريفة، بل إن بعض الشركات حظيت بمعاملة تفضيلية جعلتها تسيطر على أغلب المشاريع، في وقت كان فيه منتجون شباب ينتظرون دورهم في طوابير الإقصاء. وهكذا تحوّل ما كان يُفترض أن يكون دعماً للثقافة الأمازيغية إلى باب خلفي لتغذية مصالح شخصية وشبكات مغلقة من المستفيدين.
النيابة العامة، وبناء على تقارير تدقيقية دقيقة، قررت إحالة عدد من الأسماء البارزة على التحقيق القضائي، مع اتخاذ إجراءات احترازية صارمة من بينها سحب جوازات السفر ومنع البعض من مغادرة التراب الوطني. وهي خطوة تُظهر أن مرحلة “اللا محاسبة” بدأت تضيق، وأن حتى المؤسسات التي تتلحف بالثقافة والهوية لم تعد فوق القانون.
لكن وراء الضجيج القضائي، يطلّ سؤال أعمق: كيف تحوّل الإعلام العمومي الذي يعيش على تمويل دافعي الضرائب إلى ورشة مغلقة تتكرر فيها نفس الأخطاء البنيوية؟ هل الخلل في الأشخاص، أم في المنظومة التي تسمح بتراكم الامتيازات دون مراقبة حقيقية؟
القضية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول ضرورة إعادة هيكلة القنوات العمومية، ليس فقط من حيث البرمجة والمحتوى، بل من حيث الحكامة المالية والتدبير الإداري. فالثقافة الأمازيغية، التي ناضل المغاربة طويلاً من أجل أن تجد مكانها في المشهد الإعلامي، لا تستحق أن تكون واجهة لتغطية الفساد، بل فضاءً للنزاهة والإبداع.
إن ما يحدث اليوم لقناة “تمازيغت” هو جرس إنذار للمشهد الإعلامي برمّته. فالفساد، حين يتسلل إلى بيت الكلمة والصورة، يضرب في العمق مصداقية الرسالة الإعلامية، ويحوّل مؤسساتنا العمومية إلى بنايات خاوية من القيم. وإذا كان القضاء قد بدأ مسار المساءلة، فإن الرأي العام ينتظر أكثر من مجرد المحاسبة القانونية؛ ينتظر ثورة في طرق التفكير والتدبير داخل إعلام يُفترض أن يكون مرآة للوطن لا انعكاساً لعثراته.
قد يطول المسار القضائي، وقد تتفرّع الملفات، لكن المؤكد أن الحكاية لن تُطوى بسهولة. فكل قضية من هذا النوع تترك خلفها أسئلة محرجة: كم من مشروع ثقافي جُمّد لأن أموال الدعم ذهبت في غير محلها؟ وكم من مبدع فقد الأمل لأن “الكراسي” كانت محجوزة لأسماء بعينها؟
اليوم، يقف الإعلام الأمازيغي أمام مفترق طرق: إما أن يُطهّر نفسه من الداخل ويعود إلى جوهر رسالته، أو أن يواصل الانحدار نحو فقدان الثقة الشعبية. وبين الطريقين، لا خيار سوى إعادة بناء الثقة بالحقيقة، وبأن “تمازيغت” التي أحبها الناس لا يمكن أن تختزل في أشخاص، بل هي فكرة باقية تتجاوز الجميع.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيستيقظ الإعلام العمومي من غفوته الطويلة، ويفهم أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى؟ أم أن هذه القضية ستُضاف فقط إلى سجل القضايا التي تبدأ بضجة وتنتهي بصمت؟
الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن رياح التغيير هذه المرة لا تبدو عابرة…




