القضاة بين المطرقة والنصوص: تعديل جديد… أم ترقيع دستوري بطابع فاخر؟

ضربة قلم
في زحمة النقاشات السياسية والملفات الاجتماعية الساخنة، مرّ خبر مشروع تعديل النظام الأساسي للقضاة مرور الكرام عند كثيرين، مع أنه من أخطر وأعمق التعديلات القانونية التي تعكس التوجه الجديد للدولة المغربية في تعاملها مع القضاء كسلطة قائمة الذات، لا مجرد “مصلحة عمومية” تابعة لإملاءات السياسة اليومية. القانون التنظيمي رقم 09.25، الذي تم تقديمه للاطلاع خلال مجلس الحكومة الأخير، يأتي كتتمةٍ وإعادة نظر في نص جوهري هو القانون التنظيمي 106.13، الذي لطالما شكل العمود الفقري لما يُفترض أنه استقلال للقضاء.
لكن لنكن صريحين: نحن في المغرب اعتدنا أن “استقلال القضاء” يُقال أكثر مما يُمارس، ويُحتفل به في الخطب والمداخلات أكثر مما يُترجم على الأرض. فهل يحمل هذا المشروع الجديد تغييرًا حقيقيًا؟ أم أننا أمام جولة أخرى من “التعديل التقني” الذي لا يغادر جدران النصوص؟
أول ما يلفت الانتباه في مشروع القانون 09.25 هو توقيته، إذ يأتي في سياق يتميز بتصاعد الضغط الشعبي والإعلامي على المنظومة القضائية، سواء بسبب قضايا فساد أو بسبب أحكام وصفت بأنها لا تعكس تطور المجتمع، ناهيك عن حالات التداخل الغامض أحيانًا بين السلطة القضائية ومراكز النفوذ المالي والسياسي. من هنا، يبدو أن المشروع لا يهدف فقط إلى إدخال تعديلات تقنية، بل إلى إرسال إشارات رمزية على الأقل بأن “الدولة تستمع”، وأن “الإصلاح مستمر”، حتى وإن كان بخطى سلحفاة.
المشروع الجديد، كما يتردد في بعض الكواليس، يتضمن تعديلات تهم بالأساس تنظيم مسارات الترقي المهني للقضاة، وتعزيز شفافية تعيين المسؤولين القضائيين، وتوسيع صلاحيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تدبير شؤون القضاة دون تدخل من السلطة التنفيذية. هذا المسار يعكس استمرارية في فصل السلط، لكنه أيضًا يكشف عن صراع داخلي صامت: بين من يريد القضاء سلطة مستقلة تمامًا، ومن لا يزال ينظر إليه كأداة لضبط التوازنات لا أكثر.
أما من الناحية الواقعية، فالتحدي الأكبر لا يكمن في النصوص، بل في التطبيق. فكم من قانون “متحضر” ومكتوب بعناية، ظل مجرد ديكور مؤسساتي، لأن عقلية المنفذين ظلت غارقة في منطق التعليمات؟ وكم من نص وُضع لحماية القاضي من الضغوط، تحول هو نفسه إلى أداة لفرض ولاءات معينة، تحت غطاء “التقييم” و”المساءلة”؟
من جهة أخرى، يلاحظ أن المشروع الجديد لا يضع يدًا حاسمة بعد على أكثر المناطق الرمادية في علاقة القضاء بالسياسة: ماذا عن المسؤولين القضائيين الذين لا يُحاسبون؟ ماذا عن القضاة الذين يُنقلون تعسفًا أو يُجمدون بسبب اجتهاد قضائي لم يعجب “الجهات العليا”؟ ماذا عن قضاة الرأي الذين كتبوا ملاحظات قانونية أو شاركوا في ندوات علمية، فوجدوا أنفسهم أمام المجالس التأديبية؟ أليس الأجدر أن نبدأ بإلغاء “المقدسات الإدارية” التي تحكم علاقة القاضي بمنظومته بدل الاكتفاء بتعديل مواد لا تزعج أحدًا؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المشروع يمثل خطوة على الطريق، خاصة إذا ما اقترن بمبادرات موازية تهم تكوين القضاة، وتحديث البنية التحتية للمحاكم، وتحسين أجور القضاة بما يليق بمكانتهم الرمزية. فالقاضي الذي يعمل في قاعة متهالكة، ويتقاضى راتبًا بالكاد يساوي ما يتقاضاه موظف بنكي مبتدئ، ثم يُطلب منه أن يكون “نزيهًا”، يشبه من يُطلب منه أن يطفئ الحريق بدلو من البلاستيك.
إن التحدي اليوم لا يكمن في كتابة القوانين فقط، بل في خلق ثقافة قضائية مستقلة بالفعل، تُعلي من قيمة الاجتهاد القانوني، وتحصن القضاة من الضغوط، وتفتح أبواب المحاسبة في الاتجاهين: من الدولة على القضاة، ومن المواطنين على الدولة.
وفي النهاية، علينا أن نطرح السؤال المحرج: هل سيكون مشروع تعديل النظام الأساسي للقضاة مجرد جولة جديدة من التجميل التشريعي؟ أم أنه فعلاً نية صادقة لتقوية عمود العدالة في هذا البلد؟
الجواب في التطبيق… وكما نقول في المغرب: “ما كاين لا قانون لا هم يحزنون إلى كانت النية خايبة”.
والسلام على من قضى حياته يبحث عن قضاء نزيه.




