ضربة قلم
في لحظة تاريخية جديدة للذاكرة المغربية، أعلنت لجنة التراث الثقافي غير المادي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، خلال دورتها المنعقدة بالهند مساء الأمس، المصادقة رسميًا على تسجيل القفطان المغربي ضمن لائحة التراث الإنساني العالمي. خطوة ليست مجرد اعتراف بقطعة لباس، بل انتصار لتراث قاوم القرصنة، وصمد أمام محاولات تبنّيه خارج حدوده، وبقي راسخًا في وجدان المغاربة وحدهم.
هذا الإدراج جاء بعد أن تقدّم المغرب بملف ضخم ومحكم، صيغ بدقة علمية وثقافية لافتة، وضمّ توثيقًا معمّقًا لمسار القفطان عبر العصور، وكيف تحوّل من لباس أرستقراطي في البلاط السلطاني إلى رمز وطني يرافق المغاربة في أفراحهم، ويمثّل بلدهم في المحافل الدولية. الملف تضمّن شهادات حرفيين، وصورًا أرشيفية، ودراسات أنثروبولوجية تثبت أن القفطان ليس موضة عابرة، بل تراثٌ حيّ يتطوّر دون أن يفقد جذوره.
ولعل ما شدّ انتباه الخبراء في اليونسكو، هو تلك القدرة الفريدة لهذا اللباس على الحفاظ على هويته رغم ثمانية قرون من التحولات السياسية والاجتماعية. فالقفطان، كما جاء في تقرير المنظمة، “ليس مجرد زيّ تقليدي؛ إنه ذاكرة تنتقل من الأم لابنتها، ومن المعلم إلى تلميذه، وحرف تتوارثها الأجيال بحب وفخر، وصنعة تتطلب مهارة تقنية عالية وروحًا فنية أصيلة”.
وخلال السنوات الأخيرة، ظهر من يحاول نسب القفطان إلى نفسه، عبر حملات ترويجية وادعاءات ثقافية غريبة لا تستند إلى أي تاريخ أو وثيقة. بعض الدول حاولت، دون نجاح، تقديم نفس اللباس بأسماء جديدة أو باعتباره امتدادًا لموروثها المحلي، لكن الحقيقة، كانت أقوى من محاولات السطو. المعطيات التاريخية، والوثائق المخزنية القديمة، والفنون التي ازدهرت في فاس ومراكش وتطوان وسلا منذ قرون، كلها أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أنّ القفطان مغربي المنشأ والروح والجمال.
ولم يكن المعلمون التقليديون، ولا المصممون العصريون، أقلّ إصرارًا في الدفاع عن هذا التراث. فالقفطان المغربي ظلّ، رغم كل موجات الموضة، محتفظًا بخصائصه: خيوط “الصمّيط” التي تنسج يدويًا، و”الطرز الفاسي” الذي يُعدّ مدرسة قائمة بذاتها، وأقمشة الحرير والقطيفة والبهاء المتوارث جيلاً بعد جيل.
إن تسجيل القفطان في لائحة التراث العالمي ليس مجرد حدث احتفالي، بل تتويج لمسار طويل من الإبداع النسائي والمهارة الذكورية، التي صنعت هذا اللباس عبر الأزمنة. إنه تأكيد عالمي أن المغرب، حين يتحدث عن تراثه، لا يقدّم رواية للتزيين، بل يقدم ذاكرة حيّة، قاومت النسيان والسرقة، وبقيت شاهدة على حضارة تمتد من الأندلس إلى أعماق الجنوب المغربي.
بهذا القرار، يكون القفطان المغربي قد انتزع اعترافًا دوليًا جديدًا، وحسم نهائيًا كل الجدل المفتعل، مثبتًا مرة أخرى أن الأصالة لا تُقلّد، وأن الجمال الذي يصنعه التاريخ لا يمكن صعوده على عجل، ولا يمكن لأحد أن ينتحل نسبه مهما حاول.
وإذا كان التاريخ، بوثائقه وسجلاته وشواهد الحضارة المتعاقبة، يشهد على مغربية هذا التراث الخالص، فإن التخوّف المشروع اليوم، هو أن يسارع بعض المسؤولين إلى تحويل هذا الإنجاز الثقافي العريق ،إلى مادة للمزايدة السياسية. فالقفطان أقدم بكثير من الحكومات والبرامج المرحلية، وأعرق من كل الخطابات الظرفية، ولا يليق أن يُقدَّم على أنه ثمرة مبادرة حكومية أو ابتكار معاصر. إنه نتاج قرون من الإبداع الشعبي، وصنعة صنعتها أنامل المغاربة، لا تُنسب إلى أحد ولا تُختزل في ولاية أحد، بل تظل ملكًا للأمة وحدها، تعتز به وتحميه من كل محاولة احتواء، أو نسب غير مستحق.