الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

القِدر يغلي.. والتيس مازال في الجبل: حين تسبق السياسة صناديق الاقتراع بخطوتين

عبد الإله بوسيف/ ألمانيا

مع كل اقتراب لموعد الانتخابات، لا يعود الخطاب السياسي مجرد تعبير عن برامج أو رؤى، بل يتحول إلى مسرح كامل، تتصاعد فيه الحماسة، وتُرفع فيه النبرة، وتُوزّع فيه الأدوار، قبل أن يُفتح الستار الحقيقي: صندوق الاقتراع.

في تلك اللحظة تحديدًا، يعود المثل الشعبي بقوة ليفضح المفارقة: القِدر في النار… والتيس في الجبل. عبارة بسيطة، لكنها تختصر سلوكًا سياسيًا يتكرر بلا كلل؛ حيث يتحدث البعض عن النصر وكأنه تحقق، وعن السلطة وكأنها أصبحت أمرًا واقعًا، بينما الناخب لم يقل كلمته بعد.

لغة المنتصر… قبل المعركة

ما يثير الانتباه في بعض الحملات الانتخابية، ليس فقط حجم الوعود، بل طبيعة الخطاب ذاته. فجأة، يتحول المرشح إلى ما يشبه رئيس حكومة منتظر، يتحدث بثقة عن:

  • توزيع الحقائب الوزارية
  • شكل التحالفات القادمة
  • البرامج التي “ستُنفذ فور الفوز”
  • ملامح المرحلة المقبلة وكأنها حُسمت بالفعل

المشهد يبدو مكتملًا… ينقصه فقط شيء صغير: صوت الناخب.

هنا تكمن المفارقة؛ القِدر يغلي، نعم، لكن اللحم لم يصل بعد.

تحالفات تُبنى على الرمال

في كواليس المواسم الانتخابية، تنشأ تحالفات سريعة، وتُعلن تفاهمات مبكرة، تُقدَّم للرأي العام كأنها حقائق سياسية لا تقبل الشك. غير أن هذه “الحقائق” غالبًا ما تُبنى على:

  • استطلاعات رأي متقلبة
  • حسابات داخلية مفرطة في التفاؤل
  • رغبة في فرض واقع نفسي على الناخب

الهدف واضح: إقناع الجميع بأن الفوز مسألة وقت لا أكثر.
لكن بين التوقع والنتيجة، مسافة لا تختصرها المؤتمرات الصحفية ولا تُلغِيها التصريحات الواثقة.

صناعة الانطباع… لعبة محفوفة بالمخاطر

الحديث بلغة المنتصر قبل إعلان النتائج ليس سذاجة، بل تكتيك مدروس. فالثقة المفرطة قد تجذب المترددين، وتمنح صورة “القائد الحتمي” الذي يعرف طريقه إلى السلطة.

لكن هذه اللعبة تحمل وجهًا آخر أكثر قسوة:
كلما ارتفع سقف التوقعات، ارتفعت معه كلفة السقوط.

وعندما تأتي النتائج على عكس ما تم تسويقه، تتحول تلك التصريحات نفسها إلى مادة دسمة للسخرية، وإلى دليل على فجوة بين الخطاب والواقع، قد يصعب ترميمها لاحقًا.

حين يربك الصندوق الحسابات

التاريخ الانتخابي – في المغرب وخارجه – مليء بالمفاجآت التي قلبت الطاولات في لحظات.
تحالفات انهارت قبل أن ترى النور، ومرشحون كانوا “محسومين” فاختفوا، وسيناريوهات بدت مؤكدة فإذا بها تتبخر في ليلة إعلان النتائج.

في تلك اللحظة فقط، يتضح أن ما قُدّم كواقع لم يكن سوى احتمال… وأن القِدر كان يغلي فعلًا، لكن بلا لحم.

بين الطموح… والتواضع السياسي

الطموح في السياسة ليس عيبًا، بل ضرورة. والتخطيط للمستقبل جزء من أي مشروع جاد.
لكن هناك فرقًا دقيقًا – وخطيرًا – بين الاستعداد للنتائج، وبين إعلانها قبل حدوثها.

السياسة، في جوهرها، فن إدارة الممكن، لا افتراض المؤكد.
والتفويض الشعبي لا يُستبق بالتصريحات، بل يُنتظر بصبر.

حكمة مثل… في زمن الضجيج

في خضم الضجيج الانتخابي، يبقى هذا المثل الشعبي أكثر واقعية من كثير من الخطابات:

الشرعية لا تُصنع في الندوات، بل تُمنح في الصناديق.
والحكومات لا تُبنى بالكلام، بل بالأصوات.

ربما تحتاج السياسة، في مواسمها الساخنة، إلى قدر أكبر من التواضع…
وقليل أقل من اليقين.

لأن السلطة، ببساطة، لا تُطبخ قبل أن يصطادها الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.