الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

الكفار يحترمون شعوبهم.. ونحن نحاضر عليهم في الأخلاق!

م-ص

هناك مفارقة، تكاد تكون مؤلمة من شدة، ما فيها من سخرية:

الكفار يحترمون شعوبهم!

نعم، «الكفار» الذين لا نتردد في وصفهم بهذه الصفة، والذين قد نختلف معهم في الدين والعقيدة والثقافة، نجد بينهم من يحترم المواطن، ويحمي المال العام، ويحاسب المسؤول، ويرفع الحد الأدنى للأجور بما يراعي، قدر الإمكان، القدرة الشرائية، ويجعل استقالة المسؤول عند الخطأ، أمرًا طبيعيًا، لا يحتاج إلى زلزال سياسي.

أما نحن، الذين نتحدث ليل نهار عن الإيمان والتقوى والأخلاق والحلال والحرام، فقد نجد أنفسنا أحيانًا، أمام سؤال محرج:

أين ذهبت كل هذه الأخلاق عندما وصل الأمر إلى السلطة والمال والنفوذ؟

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية.

فالمقصود بـ«الكفار الذين يحترمون شعوبهم» ليس القول، إنهم أفضل منا في كل شيء، ولا الادعاء بأن مجتمعاتهم خالية من الفساد أو الظلم أو الفضائح، فهناك عندهم أيضًا مسؤولون يخطئون، وسياسيون يفسدون، ومؤسسات تتعثر. لكن الفارق أن الحالات التي يتحول فيها احتقار المواطن إلى ممارسة شبه عادية، تظل نادرة جدًا مقارنة بما نراه عندنا؛ حيث يصبح احترام الشعب، في بعض الأحيان، شعارًا يُرفع أمام الكاميرات، بينما تُمارس عكسه تمامًا وراءها.

لكن المقصود، هو تلك المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا:

كيف استطاع من لا يتحدثون باسم الإسلام، أن يطبقوا في بعض جوانب الحياة العامة، مبادئَ تبدو قريبة جدًا من جوهر الأخلاق التي ندعو إليها نحن؟

هم يقولون: المال العام، ليس ملكًا للمسؤول.

ونحن نقول الشيء نفسه.

هم يقولون: الوزير مسؤول عن وزارته.

ونحن نقول الشيء نفسه.

هم يقولون: إذا أخطأت، اعتذر.

ونحن نقول الشيء نفسه.

هم يقولون: إذا فقدت ثقة الناس، استقل.

ونحن نقول الشيء نفسه.

هم يقولون: المواطن يجب أن يعيش بكرامة.

ونحن نقول الشيء نفسه.

لكن الفرق، يبدأ عندما نغادر الكلام، وندخل إلى الواقع.

هناك، قد يتحول الكلام إلى ممارسة.

وهنا، قد يتحول أحيانًا إلى خطبة.

وهذه هي المشكلة.

الكفار لا ينهبون شعوبهم!

لنكن أكثر جرأة في السؤال:

هل سمعتم في بعض تلك الدول التي نصفها بالكفر، أن مسؤولًا كبيرًا نهب أموال شعبه، وهربها خارج البلد، ثم خرج علينا ليعطي درسًا في الوطنية؟

هل سمعتم يومًا عن مسؤول «كافر»، يتناول فطوره يوميًا في مكتبه على حساب الشعب، بكلفة تتجاوز الحد الأدنى للأجر؟

هل سمعتم أن مسؤولًا، استعمل المال العام، كأنه حسابه البنكي الخاص، ثم طالب الناس بالصبر والتضحية؟

هل رأيتم سياسيًا متهمًا بقضية خطيرة، يتمسك بالكرسي، وكأن الكرسي أصبح جزءًا من اسمه العائلي؟

نعم، توجد فضائح في تلك البلدان.

ونعم، يوجد فساد.

ونعم، هناك سياسيون متهمون، وبعضهم يدخل السجن.

لكن الفرق الذي ينبغي ألا نهرب منه، هو أن المؤسسات هناك تستطيع أحيانًا أن تجعل المسؤول يدفع ثمن خطئه سياسيًا وقانونيًا.

وقد يستقيل.

وقد يعتذر.

وقد يخسر الانتخابات.

وقد تنتهي مسيرته السياسية.

أما عندنا، فقد تبدأ القصة بفضيحة، وتنتهي بترشيح جديد!

وهنا يصبح المواطن محتارًا:

واش كان الخطأ خطيرًا، ولا غير عطّلناه شوية حتى ينساه الناس؟

الكفار يحترمون المواطن في جيبه!

في ألمانيا، مثلًا، وصل الحد الأدنى للأجور خلال السنة الحالية إلى 13.90 يورو في الساعة، مع زيادة مقررة في السنة القادمة.

وفي بريطانيا، يبلغ الحد الأدنى الوطني، لمن هم في سن 21 سنة فأكثر 12.71 جنيهًا إسترلينيًا في الساعة.

وليس الأمر مجرد رقم يوضع في قانون وينتهي.

هناك لجان تدرس التضخم، وتكلفة المعيشة، ومستويات الأجور، حتى يكون الحد الأدنى قادرًا، قدر الإمكان، على حماية القدرة الشرائية.

بمعنى آخر:

المواطن عندهم ليس مجرد صوت انتخابي.

له معدة.

وله كراء.

وله كهرباء.

وله أطفال.

وله مصاريف.

وله حياة.

أما نحن، فنقول للمواطن:

اصبر.

والأسعار تقول له:

ادفع.

والكراء يقول له:

ادفع.

والمدرسة تقول له:

ادفع.

والطبيب يقول له:

ادفع، أو وقع على الشيك.

والسيارة تقول له:

ادفع.

ثم تأتيه الموعظة في النهاية:

«القناعة كنز لا يفنى».

جميل جدًا.

لكن، هل يمكن أن ندفع فاتورة الكهرباء بالقناعة؟

الكفار يستقيلون!

وهذه ربما أكثر الأشياء استفزازًا.

عندهم، إذا وقع المسؤول في خطأ سياسي جسيم، قد نسمع:

«أقدم استقالتي».

أما عندنا، فقبل أن يصل المسؤول إلى هذه الكلمة، تكون قد خرجت عشرات التصريحات والبيانات والتبريرات.

قد يبدأ الأمر بـ:

«الأمر مجرد سوء فهم».

ثم:

«الموضوع أُخرج من سياقه».

ثم:

«هناك جهات تريد التشويش».

ثم:

«سنكشف الحقيقة في الوقت المناسب».

ثم:

«نحن نحترم القضاء».

ثم تنتهي الحكاية…

ولا أحد يستقيل!

وكأن كلمة «استقالة»، ليست في القاموس السياسي، وإنما في قاموس اللغات الميتة.

والأغرب أن الاعتذار نفسه، أصبح عند بعض السياسيين، نوعًا من الانتحار السياسي.

لماذا؟

لأن المسؤول يعتقد أن قوله:

«أخطأت»

سيجعله ضعيفًا.

بينما الحقيقة أن الذي يعترف بخطئه يصبح أكثر قوة.

الكفار لا يعتبرون أبناء المسؤولين فوق القانون!

ولنأخذ مثالًا آخر.

إذا ارتكب ابن مسؤول كبير خطأ فادحا، فالأصل في الدولة المحترمة، أن يكون السؤال:

ماذا فعل؟

وليس:

من هو أبوه؟

وهذا فرق هائل.

فإذا أهان مواطنًا رجل أمن، أو اعتدى على موظف، أو خالف القانون، فالمفروض أن يكون أبوه أول من يقول:

«دعوا القانون يأخذ مجراه».

«لا أن تبدأ رحلة البحث عن “واحد يعرف واحدًا”، إلى أن يصلوا في النهاية إلى الشخص الذي يستطيع أن يفتح الباب الذي أغلقه القانون.»

لأن الدولة التي تحترم نفسها، لا تسأل عن اسم العائلة، قبل أن تسأل عن القانون.

وهنا مرة أخرى نجد أنفسنا أمام سؤال محرج:

هل القانون عندنا واحد على الجميع، أم أن هناك قانونًا للمواطن وقانونًا آخر لمن يعرف المسؤول؟

الكفار لا يحتاجون إلى بناء مسجد كي يثبتوا أنهم نبلاء

لا أحد يعارض بناء المساجد.

المساجد بيوت الله، وهي جزء من هوية المجتمع وروحه.

لكن المشكلة، تبدأ عندما نعتقد أن كثرة المساجد، تعني بالضرورة كثرة الأخلاق.

ليس بالضرورة.

يمكن أن يكون في الحي عشرة مساجد، ويظل فيه من يغش ويكذب ويرتشي ويظلم ويحتال.

ويمكن أن ترتفع المآذن عاليًا، بينما يبقى الضمير منخفضًا جدًا.

المسألة ليست في الحجر.

المسألة في الإنسان.

يمكن أن نبني مسجدًا جديدًا كل سنة.

لكن ماذا لو احتجنا، بدل ذلك، إلى بناء ضمير جديد؟

ماذا لو جعلنا «الحرام»، يعني فعلًا عدم سرقة المال العام؟

ماذا لو أصبح «اتق الله»، معناها ألا تستغل منصبك؟

ماذا لو أصبح «الأمانة»، تعني ألا تمنح الصفقة لصديقك؟

ماذا لو أصبح «العدل»، يعني ألا يحتاج المواطن إلى واسطة، حتى يحصل على حقه؟

هنا فقط يصبح الكلام عن الأخلاق ذا معنى.

الكفار يحترمون شعوبهم… هل هم أفضل منا؟

لا.

ولن يكون من الإنصاف أن نقول ذلك.

لكن يمكن أن نقول شيئًا آخر أكثر دقة:

قد نجد عند بعض من نسميهم «كفارًا» سلوكًا أخلاقيًا في تدبير الشأن العام، بينما نفتقد نحن أحيانًا إلى تحويل أخلاقنا المعلنة إلى ممارسة.

وهذا هو الدرس الحقيقي.

ليس المطلوب أن نعتنق عقيدتهم.

ولا أن نقلدهم في كل شيء.

ولا أن نتخلى عن ديننا.

بل المطلوب أن نسأل أنفسنا:

لماذا ينجح بعضهم في احترام المواطن، بينما نفشل نحن أحيانًا في ذلك، رغم أننا نملك خطابًا دينيًا وأخلاقيًا غنيًا جدًا؟

لماذا يقول المسؤول هناك:

«أخطأت، سأستقيل»؟

بينما يقول المسؤول هنا:

«لم أفعل شيئًا، وهذه مؤامرة»؟

لماذا يحسبون تكلفة المعيشة على المواطن؟

بينما نطلب منه أن يحسب قدرته على الصبر؟

لماذا يخاف المسؤول هناك من غضب الشعب؟

بينما يخاف المواطن هنا من غضب المسؤول؟

ربما المشكلة ليست في الدين… بل فينا

وهذه هي الخلاصة الأكثر إيلامًا.

الإسلام لم يقل لنا:

اسرقوا المال العام.

ولم يقل:

احموا الفاسد.

ولم يقل:

اجعلوا ابن المسؤول فوق القانون.

ولم يقل:

لا تعتذروا إذا أخطأتم.

ولم يقل:

استعملوا الدين لتغطية الفساد.

بل على العكس.

جاء بكل ما يجعل الإنسان، أكثر عدلًا وأمانة ورحمة ومسؤولية.

إذن المشكلة، ليست في الدين.

المشكلة في الذين يفصلون بين الدين وسلوكهم عندما يتعلق الأمر بالمصلحة.

قد تجد شخصًا يحدثك ساعة عن الجنة والنار، ثم يساومك على حق ليس له.

وقد تجد شخصًا يملأ الدنيا حديثًا عن الوطنية، ثم يتعامل مع المال العام، كأنه غنيمة.

وقد تجد شخصًا يرفع شعار الأخلاق، ثم يغضب لأن الصحافة، سألته عن تصرفاته.

وهنا تصبح المقارنة مع «الكفار الذين يحترمون شعوبهم»، مؤلمة فعلًا.

لأن السؤال لم يعد:

هل هم أفضل منا؟

بل أصبح:

لماذا لا نكون نحن أفضل نسخة من أنفسنا؟

لماذا لا نكون مسلمين في أخلاقنا، كما نحن مسلمون في هويتنا؟

لماذا لا يصبح المسؤول عندنا، هو أول من يحاسب نفسه؟

لماذا لا تصبح الاستقالة، ثقافة؟

ولماذا لا يصبح الاعتذار، شجاعة؟

ولماذا لا يصبح المال العام، خطًا أحمر؟

ولماذا لا يصبح المواطن أغلى من الكرسي؟

وفي النهاية…

قد نختلف مع «الكفار» في الدين.

وقد نختلف معهم في الثقافة والسياسة والفكر.

لكن إذا رأينا مواطنًا عندهم يعيش بكرامة، ومريضًا يجد تغطية صحية حقيقية واهتمامًا يليق بإنسانيته، ومسؤولًا عندهم يستقيل عندما يخطئ، وقانونًا يُطبَّق على الجميع، ومالًا عامًا تحيط به الرقابة، فعلينا ألا نهرب من الحقيقة بالقول:

«هؤلاء كفار».

بل علينا أن نسأل:

ماذا منعنا نحن من فعل الشيء نفسه؟

لأن الله لم يقل لنا، إن الأخلاق ملك للمسلمين وحدهم.

وإذا كان هناك «كفار يحترمون شعوبهم»، فهذه ليست مشكلة عندهم.

المشكلة تصبح عندنا نحن، إذا كنا نرفع شعار الأخلاق، ثم نرفض ممارستها.

وعندها قد نحتاج إلى سؤال أكثر قسوة من كل ما سبق:

هل نحن بحاجة إلى المزيد من المواعظ… أم إلى قليل من الأخلاق التي لا تحتاج إلى موعظة؟

فالمسجد الذي نبنيه بالحجر جميل.

لكن الأجمل أن نبني مسجدًا داخل الإنسان؛ مسجدًا لا تُسرق منه أموال الشعب، ولا يُظلم فيه الضعيف، ولا يُحمى فيه الفاسد، ولا يحتاج فيه المواطن إلى واسطة، حتى يحصل على حقه.

وحينها فقط…

لن نحتاج إلى البحث عن «أخلاق الكفار الذين يحترمون شعوبهم».

لأننا سنكون، قد استعدنا أخلاقنا نحن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.