الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الكلب الذي لم ينسَ صاحبه.. والإنسان الذي ينسى فضل من أحسن إليه!

ضربة قلم

يحكي هشام، العائد لتوه من الديار الأمريكية، قصة لم يتوقف عن استحضار تفاصيلها منذ عاد، بعدما سافر إلى هناك ليشارك أسرة شقيقته مراسيم جنازتها، وهي التي غادرت الحياة، بعد مرض أنهك جسدها، ولم ينفع معه علاج.

لكن بين الحزن على الراحلة، وما يرافق الجنازات من مشاعر الفقد، عاد هشام بحكاية أخرى، ربما كانت أقوى من كل ما شاهده في تلك الرحلة.

كان في إحدى مقابر ولاية شيكاغو، وهي مقبرة وصفها بأنها شاسعة ومنظمة بشكل يثير الانتباه. فضاء خاص بالمسلمين، وآخر للمسيحيين، وثالث لليهود، وبين هذه الفضاءات، طرق مخصصة للسيارات التي تستعمل في نقل الرفات، مع نظافة واضحة وحرص على احترام حرمة الموتى.

لا صراخ، لا فوضى، لا أحد يتعامل مع القبر، وكأنه مكان مهمل في آخر الدنيا.

كل شيء منظم، لأن الموت، في نظرهم، لا يلغي كرامة الإنسان.

لكن المفاجأة، لم تكن في اتساع المقبرة، ولا في نظافتها، ولا في طريقة تنظيمها.

كانت المفاجأة في كلب!

يقول هشام، إنه رأى رجلاً يدخل المقبرة وهو يصطحب كلباً، فاستغرب المشهد، وسأل موظفة تعمل هناك، عن سبب السماح بهذا الأمر.

جاءه الجواب الذي، لم يكن يتوقعه.

قالت له إن صاحب الكلب، قبل وفاته، كان يصارع المرض، وأوصى صديقه الذي سيتولى رعاية الحيوان بعد موته، بأن يصطحبه إلى قبره.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت زيارة القبر بالنسبة إلى الكلب عادة.

كلما دخل المقبرة، يتوجه نحو قبر صاحبه الأصلي، يجلس بالقرب منه، وكأنه يعرف تماماً، أين يرقد الرجل الذي كان يرعاه ويطعمه ويلاطفه، ويشاركه أيامه.

ولا يحتاج الكلب إلى لغة حتى يشرح حزنه.

يجلس صامتاً، يتأثر، وكأن في داخله شيئاً يقول:

«أين ذهبت؟ لقد عدتُ كما وعدتني… لكنك لم تعد.»

هنا توقفت الحكاية عند هشام، لكنها لم تتوقف عندنا.

لأن السؤال الحقيقي ليس عن الكلب.

السؤال عن الإنسان.

كيف يمكن لحيوان لا يتكلم، ولا يعرف الحسابات والمصالح والانتخابات ولا «المعقول» ولا «غير المعقول»، أن يحتفظ بكل هذا الوفاء لصاحب غاب عنه؟

وفي المقابل، هناك إنسان يستطيع أن يأكل من يد، ثم يعضها.

ويستفيد من شخص سنوات، ثم يتصرف بعد ذلك، وكأنه لم يعرفه يوماً.

هناك من يفتح لك بابه عندما تكون في حاجة، ويقف إلى جانبك حين تضيق بك الدنيا، ويحمل عنك جزءاً من همومك… ثم ما إن تتحسن ظروفك، حتى تبدأ في البحث عن أقصر طريق لنسيان صاحب الفضل.

بل هناك من لا يكتفي بالنسيان، وإنما يحاول أن يعيد كتابة التاريخ، فيصبح صاحب الفضل عنده مجرد «واحد كان كيعرفو»!

الكلب في المقبرة، لا يملك حساباً بنكياً، ولا منصباً، ولا طموحاً انتخابياً، ولا مصلحة ينتظرها من صاحبه الميت.

ومع ذلك… لم ينسه.

أما بعض البشر، فقد ينسون عشرة العمر، بمجرد أن تتغير موازين المصلحة.

والأغرب أن الإنسان الجحود، غالباً ما يكون ذكياً جداً في تبرير جحوده.

يقول لك:

«كل واحد شاد طريقو.»

«الدنيا تبدلات.»

«ما بقيناش بحال زمان.»

«حتى هو ما دار ليا والو!»

وكأن المعروف، فاتورة يجب الاحتفاظ بها، حتى تأتي لحظة الأداء!

لا يا سادة…

المعروف الحقيقي لا يحتاج إلى محاسب.

والوفاء ليس عقداً موقعاً أمام عدلين.

والإنسان الذي يقف بجانبك في محنتك، لا يفعل ذلك حتى تضعه في خانة «الدائن» إلى الأبد، وإنما، لأن داخله شيئاً اسمه الإنسانية.

وهذا بالضبط ما يجعل قصة ذلك الكلب موجعة.

فالحيوان، لم ينتظر مقابلاً.

لم يطلب شيئاً.

لم يقل: «ماذا ترك لي صاحبي؟»

لم يسأل: «هل سجّل لي شيئاً في وصيته؟»

لم يبحث عن مصلحته.

كل ما فعله أنه تذكر صاحبه.

ذهب إلى قبره.

جلس بالقرب منه.

وحافظ على العهد.

وهنا يصبح المشهد درساً قاسياً، في تربية الإنسان الجحود:

يمكن للإنسان أن يخسر المال ويعوضه، وأن يخسر منصباً ويستعيده، وأن يخسر بيتاً ويبني غيره… لكنه حين يخسر الوفاء، يكون قد خسر شيئاً لا يباع ولا يشترى.

ربما لهذا، كان الكلب أكثر إنسانية من بعض البشر.

فهو، لم يتعلم الكلام، لكنه تعلم الوفاء.

ونحن تعلمنا الكلام… حتى أصبح بعضنا يستعمله، لتبرير الخيانة ونكران الجميل.

في نهاية المطاف، لا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه، كم شخصاً ساعده، بل عليه أن يسأل سؤالاً أبسط وأصعب:

كم شخصاً أحسن إليه… وما زال يتذكره؟

فقد يأتي يوم يجلس فيه الإنسان وحيداً، ويكتشف أن الذين نسي فضلهم، كانوا هم أجمل ما مر في حياته.

أما الكلب…

فربما لا يعرف شيئاً، عن فلسفة الوفاء.

لكنه يعرف، أين يوجد قبر صاحبه.

ويعرف أن الموت، لا يقتل الذكرى.

وهذا، في حد ذاته، درس قد يحتاج بعض البشر إلى سنوات طويلة حتى يفهموه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.