الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعدفاتر قضائية

“الكوميسير ثابت”: حين سقط النفوذ وارتجفت ثقة المغاربة

ضربة قلم

بكل وعي بأن الملف دخل الأرشيف المغربي، منذ أكثر من ثلاثة عقود، يبقى تناول قضية الكوميسير مصطفى ثابت تمرينًا في الذاكرة لا في الإثارة، وفي التفكير المؤسسي، لا في إعادة فتح الجراح. فبعض القضايا لا تُستعاد للفضول، بل لأنها تحولت إلى علامات فارقة في تاريخ العدالة والمجتمع.

حين يهتزّ اليقين

في مطلع التسعينات، لم تكن الصدمة فقط في حجم التهم، بل في هوية المتهم. رجل أمن رفيع، يفترض فيه أن يكون جزءًا من منظومة الحماية، يتحول إلى محور ملف جنائي ثقيل. هنا لم يعد السؤال متعلقًا بشخص واحد، بل بصورة المؤسسة، وبفكرة الثقة نفسها.

المجتمع المغربي آنذاك كان يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، بين إرث سنوات ثقيلة وسعي متدرج نحو إصلاحات مؤسساتية وحقوقية. فتفجرت القضية كزلزال أخلاقي وقانوني، هزّ الرأي العام وأعاد طرح أسئلة، لم تكن تُناقش علنًا بسهولة، خاصة ما تعلق بالجرائم الجنسية واستغلال النفوذ.

من المسار المهني إلى السقوط المدوي

مصطفى ثابت كان اسمًا معروفًا في جهاز الأمن، خصوصًا بمدينة الدار البيضاء. مسار مهني تصاعدي، نفوذ إداري، علاقات واسعة… كل عناصر القوة التي تمنح صاحبها حضورًا في دوائر القرار. لكن ما بدا صورة نجاح مهني، انقلب إلى واحدة من أكبر الفضائح الجنائية في تاريخ المغرب الحديث.

التحقيقات التي باشرتها عناصر الدرك الملكي سنة 1993 كشفت عن اتهامات خطيرة تمس الاعتداءات الجنسية واستغلال السلطة. عُثر على أشرطة وأدلة اعتُبرت آنذاك صادمة للرأي العام، وأُعلن عن أعداد كبيرة من الضحايا. وبين ما هو مؤكد قضائيًا وما تناقلته الصحافة، ظل الملف محاطًا بأرقام ثقيلة، صنعت هالة من الرعب والذهول.

غير أن الأهم لم يكن فقط في عدد الضحايا أو طبيعة الأفعال، بل في سؤال: كيف أمكن لشخص في موقع مسؤولية، أن يمارس ما نُسب إليه لسنوات دون أن يُكشف أمره؟ وهل كانت هناك ثغرات في آليات الرقابة؟ أم أن ثقافة الصمت والخوف لعبت دورها؟

المحاكمة… لحظة مفصلية

جرت المحاكمة في أجواء مشحونة، وحظيت بمتابعة واسعة. وفي مارس 1993 صدر حكم الإعدام في حقه، ونُفذ الحكم في سبتمبر من السنة نفسها بسجن القنيطرة. ويُعد ذلك آخر تنفيذ فعلي لعقوبة الإعدام في المغرب إلى حدود اليوم، ما منح القضية بعدًا إضافيًا في النقاش حول العدالة الجنائية والعقوبات القصوى.

كان تنفيذ الحكم رسالة قوية بأن القانون، يمكن أن يطال حتى أصحاب الرتب العالية. لكن في المقابل، لم يُغلق النقاش، بل فتح أبوابًا أخرى: هل كانت المحاكمة كافية لكشف كل الحقيقة؟ هل تمت مساءلة أي مسؤولين محتملين عن التستر إن وُجد؟ أم أن الملف أُغلق بإدانة الشخص، دون الغوص العميق في البنية التي سمحت بالانحراف؟

هذه الأسئلة لم تُطرح من باب التشكيك في القضاء، بل من باب التفكير في الإصلاح المؤسسي، لأن العدالة لا تكتفي بالعقاب، بل تبحث عن منع التكرار.

أثر القضية في الوعي الجماعي

قضية الكوميسير ثابت، كسرت جدار الصمت حول جرائم جنسية، كان الحديث عنها يُعد من المحظورات الاجتماعية. فجأة، صار المجتمع مضطرًا لمواجهة واقع مؤلم: الضحية قد تكون امرأة عادية، شابة، طالبة، موظفة… والجاني قد يكون شخصًا بسلطة ونفوذ.

كما أعادت القضية تسليط الضوء على أهمية:

  • تقوية آليات الشكايات وحماية المبلغين.

  • ضمان استقلالية التحقيقات، خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولين.

  • توفير حماية نفسية وقانونية للضحايا.

  • ترسيخ ثقافة المساءلة داخل المؤسسات.

منذ ذلك الحين، عرف المغرب تحولات مهمة في مجال حقوق الإنسان، وإصلاح المنظومة الأمنية والقضائية، خاصة مع إحداث هيئات للرقابة والتفتيش، وتعزيز دور المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وإطلاق إصلاحات تشريعية متعددة. لا يمكن ردّ كل هذه المسارات إلى قضية واحدة، لكنها كانت بلا شك من الأحداث، التي عمّقت الإحساس بالحاجة إلى الإصلاح.

بين الشخص والنسق

من السهل اختزال الملف في شخصية “مجرم منحرف”. لكن القراءة الهادئة بعد 33 سنة، تدفعنا إلى ما هو أبعد: كيف نميز بين الانحراف الفردي والخلل البنيوي؟ فكل مؤسسة قد تضم فردًا ينحرف، لكن معيار قوتها هو سرعة الاكتشاف، وصرامة المحاسبة، ووضوح آليات المنع.

القضية أظهرت، أن هيبة المنصب لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة غير معلنة، وأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية والمساءلة.

الذاكرة كمسؤولية

الملف اليوم في الأرشيف، لكن الأرشيف ليس قبرًا للوقائع، بل ذاكرة دولة ومجتمع. واستحضاره ينبغي أن يتم بعينين مفتوحتين: عين على الضحايا واحترام معاناتهم، وعين على الدرس المؤسساتي.

فالمجتمعات التي تنسى أخطاءها الكبرى، دون أن تستخلص منها العبر، تترك الباب مواربًا لتكرارها. أما المجتمعات التي تحول الصدمة إلى إصلاح، فهي التي تتقدم.

سؤال المستقبل

بعد أكثر من ثلاثة عقود، قد لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ فالأحكام صدرت والإعدام نفذ، والملف أُغلق قضائيًا. السؤال الأهم هو: ما الذي تغيّر بعدها؟

هل أصبحت آليات الرقابة أكثر فاعلية؟
هل باتت النساء أكثر قدرة على التبليغ دون خوف؟
هل ترسخت ثقافة أن المنصب خدمة لا امتيازًا؟

قضية الكوميسير ثابت تظل علامة سوداء في سجل مرحلة معينة، لكنها أيضًا لحظة وعي جماعي بأن العدالة يمكن أن تصل إلى أعلى المواقع. وبين الألم والدرس، يبقى التحدي الدائم: أن تتحول الذاكرة إلى يقظة، لا إلى مجرد حكاية تُروى في الهوامش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.