اللائحة الانتخابية في المغرب: من أداة ديمقراطية إلى “قرعة” حزبية تُفرز النواكر وتقصي المَعروفين!

ضربة قلم
أثبتت الأيام، والليالي، وحتى القيلولات السياسية، أن المغرب – وبكل صدق وواقعية بلا رتوش ديمقراطي – لا يبدو مؤهلاً بعد لهضم فكرة “اللائحة الانتخابية”، هذا الابتكار الديمقراطي المستورد الذي أراد له البعض أن يُنبت العدالة والمساواة والشفافية وسط تربة انتخابية لا تزال خصوبتها مشكوكا فيها. نحن بصدد تجربة سياسية محنطة في قالب لائحة، لكن داخلها خيوط “العائلية” و”الزبونية” و”اصحاب الشكارة”، وحتى “ولد عمي قالولي صوت عليه”، أما الكفاءة والمعقول؟ فهما فقط ديكور في البيانات الانتخابية.
اللائحة، في أصلها، أداة راقية تُستعمل في الأنظمة التي قطعت مع الريع، وجعلت من الحزب السياسي مصنعًا للأفكار لا ناديا للعائلات. ولكن عندنا، أصبحت أشبه ما تكون بلائحة انتظار لركوب قطار الريع، حيث المقاعد الأمامية محجوزة لمن استطاع إلى المال أو الولاء سبيلاً، أما المقاعد الخلفية فهي فقط لأخذ الصورة الجماعية. تجد في رأس اللائحة شخصا لم يسبق له أن حضر اجتماعًا حزبيًا، ولا يعرف الفرق بين لجنة المالية ولجنة التأبين، لكنه يملك المفتاح السري: شبكة علاقات، أو حسابًا سمينًا، أو مجرد قدرة على “الشدّان والتبوريدة الخطابية الخشبية”.
المفارقة السخيفة أن اللائحة لا تُمكِّن الناخب من معاقبة من لا يريده، فالصوت يذهب لكتلة، ولا يُفرز النزيه من الوصولي. وهنا، تحدث الكارثة: الأسماء ذات السمعة الطيبة، التي قضت سنينًا في خدمة الناس ورفع المطالب وفضح الفساد، تُقصى لأن الحزب قرر أن رأس اللائحة يجب أن يُهدى لـ “الولد المطيع” أو “صهر الكاتب الجهوي” أو “ابن العائلة السياسية القديمة” أو ذاك الاسم الذي تصلح صورته فقط للإشهار الانتخابي، ولا علاقة له لا بتشريع ولا برقابة.
وبينما كان البعض يظن أن نظام اللائحة سيقوي الأحزاب ويمنع التشتت، وجدناه قد قوّى فقط الفجوة بين الناخب والسياسي. فبدل أن يُحاسَب المرشح مباشرة أمام الناس، أصبح يختبئ خلف اسم الحزب، أو يرفع شعار “اللائحة ماشي أنا”، وكأن المواطن يصوّت على مجموعة من الأشباح المختارة سلفًا من المطبخ الداخلي. وكم من مرة سمعنا الناخب يقول: “بغيت نصوت على فلان، ولكن راه في المرتبة 5 ف اللائحة، وراه مستحيل يطلع”… وفعلاً، يطلع اللي فـ الطوبوغرافيا السياسية لا يُرى إلا من الأقمار الصناعية، ويُقصى من كان حاضرًا في كل معاناة الناس.
نظام اللائحة، عندنا، تحوّل من أداة ديمقراطية إلى طنجرة ضغط تغلي فيها الصراعات الداخلية، وتُطبخ فيها التحالفات العجيبة. مرشح من اليسار يتحالف مع شيخ الزاوية، وحقوقي سابق يقبل أن يكون في اللائحة نفسها مع تاجر أصوات محترف، لأن الحزب قرر أن “المرحلة تتطلب مرونة”. المواطن؟ شاهد غير مشارك، يقف مشدوهاً أمام لائحة تجمع بين المتناقضات، وكأنها وصفة طبية لمرض مزمن لا دواء له إلا بالتصويت الأعمى.
والأغرب من ذلك، أن من يدافعون عن اللائحة يرفعون شعار “تمكين المرأة والشباب”، لكن تمكين من؟ غالبًا ما يُزجّ بالنساء في أسفل اللائحة كزينة إيديولوجية، ويُمنح للشباب الرقم الأخير في القائمة، فقط لإسكات الجمعيات الممولة من الخارج. وعندما تظهر النتائج، يُقال لك: “نحن نحترم تمثيلية المرأة بنسبة 30%”، ولكن لا أحد يخبرك أن النساء الثلاثة في اللائحة لم يُنتخب منهنّ أحد.
اليوم، ونحن نقترب من انتخابات السنة القادمة، أصبح صوت “العودة إلى الترشح الانفرادي” يتعالى، لا من باب الحنين إلى الماضي، ولكن من باب “اللي جرب المجرب عقلو مخرّب”. لأن على الأقل، في النظام الفردي، تعرف من تصوّت عليه، وتستطيع أن تسأله بعد الفوز: “فين وعدك لينا؟”، أما مع اللائحة، فالمرشح يقول لك: “أنا كنت فقط فالقائمة، مشيت غير بالستاج”.
ولذلك، فربما آن الأوان أن نعترف: المغرب مازال كيتعلّم الأبجديات، ولا داعي أن نعطيه رواية طويلة ويطلب منا تحليلها في ظرف خمس سنوات. نحتاج انتخابات مبنية على الوضوح، على المسؤولية الفردية، على المحاسبة المباشرة. ماشي لائحة تُولد في كواليس الأحزاب وتموت في مكاتب البرلمانيين، اللي بعد الفوز يختفون فجأة، ولا يظهرون إلا فـ حفلات الشاي والنقاشات الإنشائية.
اللائحة؟ مشروع نبيل في أرضٍ غير مهيأة. وحين تزرع الزهور وسط الإسمنت، لا تنتظر ورودًا، بل انتظارًا طويلاً ثم خيبة.





https://shorturl.fm/j3kEj
https://shorturl.fm/N6nl1
https://shorturl.fm/a0B2m