رياضةمجتمع

اللاعب المحبوب… واللاعب المنبوذ

حين تنتهي المباراة، تبدأ اللعبة الحقيقية!

ضربة قلم

أثبتت الأيام أن كرة القدم ليست مجرد تمريرات أو أهداف، بل هي مرآة تُظهر معادن الرجال… أو لنقل معادن “اللاعبين”. فبينما يُقاس أداء البعض بمدى لياقتهم فوق العشب الأخضر، يُقاس أداء آخرين بمدى إنسانيتهم حين يُطفأ الضوء، ويُطوى البساط، ويغيب التصفيق.

في الميدان، هناك لاعب يُحب اللعب الجماعي. تراه في لحظة انفراد أمام المرمى، والجمهور يصرخ: “سدّد!”، فيختار أن يمرر الكرة لزميله الأقرب إلى التسجيل. لاعب يفرح حين يفرح الآخرون، يبتسم حين يُسعد الفريق، يؤمن أن الهدف ليس في الشباك فقط، بل في العطاء. هذا النوع من اللاعبين يشبه كأس الماء في يوم قائظ: بسيط، صادق، ومنعش.

وفي الجهة المقابلة، هناك لاعب آخر، يظن أن الكرة خُلقت له وحده. تراه يركض بوجه متجهم، لا يرى سوى نفسه، يظن أن زملاءه مجرد “إكسسوارات” في فيديو استعراضي طويل. يسدد من حيث لا تُسدد، يصرخ حين تُسحب منه الكرة، يضرب الأرض بقدمه حين لا تُصفق الجماهير باسمه. يريد الهدف ولو من فوق رؤوس الجميع، المهم أن تُكتب الجملة السحرية في الصحف: “سجّل النجم هدفًا قاتلًا”. قاتلًا نعم، لكنه قتل اللعب الجميل، وقتل روح الفريق، وقتل حتى المتعة.

لكن المثير للضحك، بل للبكاء أحيانًا، أن الحكاية لا تنتهي عند صافرة الحكم. فخارج المستطيل الأخضر، تبدأ المباراة الحقيقية، مباراة الأخلاق.
هناك من يخلع حذاءه بعد المباراة ليخلع معه الغرور. تراه في الحي القديم بسيارته البسيطة، يزور جيرانه، يشتري الخبز بنفسه، يضحك مع الأطفال الذين ما زالوا يرسمون اسمه على الحائط، لا لشيء، إلا لأنه لم ينسَ من أين أتى. يُقال عنه “لاعب محبوب”، لأنه ببساطة لم يسمح للكرة أن تدور في رأسه كما تدور في الملعب.

وهناك آخر… لا تراه إلا في المهرجانات، في الكواليس، خلف المأذونيات، يتنقل من مشروع إلى صفقة، من بقعة أرضية إلى “همزة العمر”.
حين يمر أمام المقهى، يرفع نظارته السوداء وكأنه يخشى أن تلمحه عيون الفقراء.
يعيش في برج من زجاج، لا يسمع سوى صدى رنين هاتفه حين يتصل “المستثمر”.
أما حين يقف أمام بابه أحد أصدقائه القدامى أو جيرانه من أيام “الكرة في الزنقة”، فيتلعثم، ويتظاهر بالانشغال، ثم يمسح السماء بنظرات باردة، كمن يبحث عن غيمة تنقذه من الموقف.
ذاك هو اللاعب المنبوذ، الذي يُبدع فقط حين يتعلق الأمر بتصريف الأعذار.

الفرق بين الاثنين؟ بسيط جدًا. الأول يعرف أن المجد الحقيقي هو أن تبقى محبوبًا بعد الاعتزال، والثاني يعتقد أن “البقع والمشاريع” يمكنها أن تشتري حب الناس.
لكن الحقيقة المُرّة، أن الجماهير التي كانت تهتف باسمه، ستكتشف مع الوقت أن الهدف الوحيد الذي سجله في حياته… كان في مرمى القيم.

اللاعب المحبوب يُصافحه الناس لأنهم يحبونه.
أما اللاعب المنبوذ… فيصافحه البعض فقط ليروا كم تغيّر وجهه بعد أن تغيّر قلبه.

هكذا هي اللعبة:
بعضهم يركل الكرة بحب،
وبعضهم يركل القيم بنفس الحذاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.