
ضربة قلم
هاها، يا لها من بشرى تقطر تفاؤلًا وابتسامة على وجوه المواطنين… الذين نسوا كيف يبتسمون أصلاً.
أخيرًا اجتمع رئيس الحكومة عزيز أخنوش برئيس الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة، السيد محمد بنعليلو. لقاء “تاريخي” كما تحب البلاغات الرسمية أن تقول، لكنه في عيون الناس يبدو أقرب إلى لقاء بين من يُفترض أن يحرس النزاهة، ومن يُدبّر شؤونها، وكلاهما يبتسم بأدبٍ إداريٍّ شديد.
فاللقاء، كما تقول المصادر، يأتي في إطار “تعزيز التعاون لمحاربة الفساد وترسيخ قيم الشفافية”…
جميل جدًا، لكن دعونا نضحك قليلًا:
هل لاحظتم أن كلمة الفساد في المغرب صارت تُذكر في البيانات أكثر مما تُذكر في ملفات المحاكم؟
الكل يحاربه، بالخطابات، بالتصريحات، بالمجالس العليا، بالاستراتيجيات، بالعروض المسرحية، بكل شيء… ما عدا بالمحاسبة طبعًا!
نعم، بشرى لنا جميعًا.
لأننا على موعد مع حقبة جديدة من النزاهة، تلك النزاهة التي تُعرض علينا كل سنة في نفس الموسم، مثل مسلسل يعاد بثه برعاية “شركة الأخلاق العامة”.
فما أن تُذكر كلمة “محاربة الرشوة” حتى يلتفت المواطن يسارًا ويمينًا، ليتأكد إن كان هناك كاميرا خفية تصور ردة فعله.
اللقاء بين الرجلين، كما جاء في البلاغ، “تطرق إلى سبل تفعيل آليات التعاون لمحاربة الفساد في الإدارات والمؤسسات العمومية.”
تفعيل؟ آه يا كلمة تفعيل! كم أُهلكت من كثرة الاستعمال!
هي الكلمة التي نسمعها منذ كنا نحمل محفظة بلا مقلمة، ولا شيء يتفعّل سوى الأسعار.
الهيئة الوطنية للنزاهة؟ اسم جميل، طويل، ويدعو للطمأنينة… لكنه حتى الآن يشبه مظلة في صحراء. موجودة، أنيقة، لكن لا ظلّ لها.
أما رئيس الحكومة، فسيخرج بعد اللقاء مبتسمًا ليؤكد أن “محاربة الفساد مسؤولية جماعية”، وهي الجملة التي تُترجم في الشارع إلى “دبّر راسك”.
يا سادة، في المغرب، كل شيء نحاربه… إلا ما يجب أن نحاربه فعلاً.
نحارب الغلاء بخطب، والرشوة بإيميلات، والبطالة بمهرجانات، والفساد بالاستراتيجيات.
أما المواطن المسكين، فيحارب فقط النوم بعد سماع هذه “البشرى” المتكررة كل عام.
لكن على أي حال، دعونا نحتفظ بالأمل، أو على الأقل بالسخرية، فهي آخر ما تبقى لنا من مقاومة.
فإذا كان اللقاء بين أخنوش وبنعليلو هو بداية الطريق لمحاربة الفساد، فربما تكون “الهيئة الوطنية للنزاهة” قد بدأت أولًا بالتجريب في أعلى الهرم… قبل أن تنزل إلى حيث “الناس اللي ما عندهمش”.
إذن نعم، بشرى لنا جميعًا!
لكن فقط لا تسألوا متى؟… لأن في المغرب، الفساد لا يُحارَب، بل يُستقبل ببلاغ رسمي ويُختم بالشعار الأبدي:
“المغرب يمشي بخطى ثابتة نحو الإصلاح… لكن في الاتجاه المعاكس.”




