اللحية تتحول إلى بدلة للسرقة باسم “التجارة بالتجوال”

محمد الفضالي
يقال إن “اللحية” في المخيال الشعبي علامة وقار، ودليل رزق حلال، وجواز مرور أخلاقي يبعث الطمأنينة في نفس الزبون، قبل أن تمتد يده إلى الجيب. لكن في بعض أسواقنا العشوائية، وبالأخص في حي دور الكرم بالمحمدية، صارت اللحية لا تختلف كثيرًا عن بدلة رسمية، تُلبس لا للاحتشام، بل لمنح الغش مظهرًا محترمًا، ولتسويق السرقة على أنها “رزق اليوم بيومه”.
قصدنا سوقًا عشوائيًا، لا لشراء الخضر فحسب، بل لشراء الحقيقة، كما هي: طازجة، غير مغسولة، ومليئة بالتراب. هناك، وسط ضجيج العربات المتجولة، وروائح الطماطم المختلطة بغبار الطريق، التقينا شابًا في عقده الثالث، يدفع عربة صغيرة، كأنها مشروع حياة، يبيع البطاطس والطماطم، وحين لم تتسع العربة لكل “البركة”، افترش الأرض بالفلفل والباذنجان، بلا حرج، بلا ميزان واضح، وبلا أي قلق من شيء اسمه “ثقة المستهلك”.
لن نتوقف عند الأسعار، ولن نفتح ملف “8 دراهم للكيلوغرام” لأنه ملف ثقيل، متشعب، ومفتوح على مصراعيه، في كل أحياء المدينة. ولن نلوم البطاطس، فقد بدت الوحيدة التي ما زالت تحاول الحفاظ على شيء من الأخلاق، مستقرة في حدود 4 دراهم، كأنها تقول: “أنا بريئة من هذا العبث”.
كما لن نغوص في قصة الغش في الميزان، لأن الميزان هنا مجرد ديكور، قطعة حديد تُستعمل للعرض لا للحساب، وغالبًا ما تكون أرقامها، في خلاف دائم مع الواقع. الميزان في هذا السوق لا يزن الخضر، بل يزن سذاجة الزبون.
لكن القصة الحقيقية تبدأ حين يصل الدور إلى الجمع.
الجمع… تلك العملية الحسابية البسيطة التي تعلمناها في الابتدائي، تحولت هنا إلى فن قائم بذاته. الشاب لا يخطئ، لا يتلعثم، لا يتردد. يضرب الأرقام بسرعة، يعلن المبلغ بثقة، وينتظر. كل شيء يتم بسلاسة، باحتراف، وبهدوء شخص اعتاد أن “يزيد 4 دراهم” دون أن يرمش له جفن.
وحين طالبناه بمراجعة الحساب، لا لأننا نشك، بل لأن الشك صار واجبًا، ظهرت الحقيقة عارية. المبلغ المعلن أكبر من الحقيقي. السرقة صغيرة في الرقم، كبيرة في المعنى. سرقة لا تثير الشبهة، ولا تستفز الغضب، لأنها مبنية على قاعدة ذهبية: “الزبون لن يعود للحساب”.




