
م-ص
الليل… ذلك الضيف الذي يأتي دون موعد، يغسل المدينة بظلامه، ويأخذ معه كل أصوات النهار، إلا من هم صامدون، وحدهم في غرفهم، أو في قلوبهم. في عتمته، تصبح الساعة مجرد رقم، والوقت، مجرد حلم، يتسرب بين الأصابع.
هناك، حيث الضوء الباهت، من مصباح ضعيف أو شاشة هاتف، يجلس الإنسان وحيدًا، يحتسي صمتًا مُرًّا، بين صفحات لم تُقرأ وذكريات لم تُنسى. الساعات الطويلة، تتحرك ببطء ثقيل، كل ثانية كقطرة، من حزن متراكم، وكل دقيقة، كأنها تذكّر بأن الليل لا يرحم.
السهر هنا ليس رفاهية، بل محنة. القلب يثور ضد الصمت، والعقل يملأ نفسه بالأسئلة بلا إجابة. لماذا الوحدة؟ لماذا هذه المعاناة؟ لماذا تغلق الدنيا أبوابها، على من يبحث عن ضوء في الظلام؟
الأوراق المبعثرة على الطاولة، الكتب المفتوحة، الرسائل التي لم تُرسل… كل شيء يصبح شاهداً، على صمت الليل الطويل. والعيون التي تحاول أن تغفو، لا تجد الراحة، لأن العقل لا يعرف التوقف عن التفكير، والروح لا تعرف التوقف عن الألم.
الليل يكشف كل شيء، لا يترك شيئًا مختبئًا. الأحلام الصغيرة، التي خُطّت على الورق تتهاوى، والطموحات التي كانت تتراقص في النهار تتجمد، محاصرة بين الجدران المظلمة. حتى ضوء القمر، الذي كان يوماً يواسي العابرين، يبدو بعيدًا الآن، عاجزًا عن لمس قلبٍ معذّب.
وفي كل مر،ة ينظر فيها الإنسان إلى الساعة، يشعر بأن السهر صار شريكًا، لا يُرغب فيه، لكنه حاضر، يرافقه في صمته وفي قلقه. الليل طويل، والمعاناة أعمق من الظلام. والروح، مهما حاولت أن تتشبث بالرجاء، تجد نفسها، تغرق في بحر من الوحدة، تبحث عن شاطئ قد لا يأتي أبدًا.
الليل لا يرحم، لكنه يعلمنا… يعلمنا معنى الصبر، معنى صمود القلب، معنى البحث عن ضوء وسط الظلام. ومع ذلك، يظل الإنسان، رغم كل شيء، وحيدًا… وحيدًا في صراع صامت، وحيدًا بين الساعات التي لا تنتهي، والسهر الذي لا ينسى.




