ضربة قلم
في طنجة، وتحديدًا في حي يحمل اسمًا لا يحتاج لتعليق: الخربة، جرت أمس مسرحية اجتماعية عنوانها “اللصّة المنقبة والـ11 مليون المفقودة”، عرضٌ واقعي لا يحتاج إلى ممثلين ولا سيناريو، لأن الواقع المغربي بات أكثر تشويقًا من أي دراما تلفزيونية.
الحكاية تبدأ كما تبدأ عادة قصص “الثقة الزائدة عن اللزوم”: امرأة منقبة، لا يُعرف إن كانت منقبة عن وجهها فقط أم عن ضميرها أيضًا، طرقت باب سيدة مسنّة بكل براءة. قالت إنها تعرفها، وربما زعمت أنها بنت الجارة أو بنت الحومة أو بنت الحلال، فُتح الباب كما يُفتح باب الجنة أمام الصادقين، لكن القادم لم يكن مَلَكًا، بل “شاطرة” تعرف جيدًا من أين تؤكل الجيوب.
دخلت بكل أناقة، جلست قليلاً، تبادلت بضع كلمات، ربما أثنت على الستائر أو على شاي الزعتر الذي تفوح رائحته، ثم حين انشغلت المسنّة، مدت يدها لا إلى كوب السكر، بل إلى الكنز المنزلي: 11 مليون سنتيم. رقم ليس بالهين، كفيل بجعلها تختفي عن الأنظار وتُعلن اعتزالها المهني قبل بلوغ “سنّ التقاعد الإجرامي”.
لكن المفارقة الساخرة أن السرقة وقعت في حي اسمه الخربة! كأن القدر أراد أن يذكّرنا بأن الأسماء في المغرب لم تُطلق عبثًا: في الخربة تُسرق المدخرات، وفي حي السلام تُسمع الصراخات، وفي حي النخيل لا ترى إلا الإسمنت، أما حي الورود فغالبًا ما ينام على أشواك.
الشرطة، كعادتها، وصلت بعد أن تبخر اللصّ والعطر معًا. حضرت عناصر الشرطة العلمية، التقطت البصمات، فحصت الكاميرات، وسجّلت محضرًا بعبارات مألوفة من نوع: “نُفذت العملية باحترافية عالية”، وكأننا أمام جريمة مستوحاة من سلسلة “لا كاسا دي طنجة”.
التحريات ما تزال مستمرة، والنيابة العامة تتابع “باهتمام كبير”، وهي جملة دبلوماسية تعني أن الفاعلة ما زالت في حالة فرار، وربما تتابع الأخبار بدورها من مكان آمن وهي تحتسي عصيرًا وتقول في سرها: “اللهم لا حسد.”
القضية أثارت جدلاً في الحي، ليس فقط بسبب المبلغ، بل لأن الضحية مسنّة، والمجتمع صار يرى في كبار السن فريسة سهلة. فمن سرقة المعاشات إلى سرقة المدخرات، يبدو أن شيخوخة المغاربة أصبحت سوقًا مفتوحًا للانتهازيين، في غياب أي حماية حقيقية، لا اجتماعية ولا أخلاقية.
لكن ما يثير السخرية أكثر أن بعض الجيران، بدل أن يتأثروا، بدأوا يتساءلون: “واش بصح كانت مخبية 11 مليون فدارها؟” وكأن الضحية تحوّلت فجأة إلى متهمة بالتبذير السري.
في النهاية، تبقى “الخربة” اسمًا على مسمّى، لا فقط لحالة الحي، بل لحالة الضمير الجمعي الذي يسمح بأن تُسرق امرأة مسنّة في وضح النهار، ثم نكتفي نحن بقراءة الخبر في هواتفنا ونحن نضحك من العنوان.
وحتى تظهر السارقة المنقبة أو تتوب أو تسافر في رحلة بلا عودة، سيظل الحي يتناقل الخبر كأنّه نكتة حزينة…
نكتة عنوانها:
“في بلادنا، حتى الخربة فيها 11 مليون.”