المتقاعدون سينتقمون من أخنوش يوم 23 شتنبر القادم… لكن هذه المرة بصوتهم

ضربة قلم
قد لا يكون يوم 23 شتنبر 2026 مجرد تاريخ عابر في أجندة المتقاعدين، ولا مجرد موعد انتخابي آخر، يمر كما مرت مواعيد كثيرة قبله. بالنسبة إلى فئة واسعة من المتقاعدين، قد يتحول هذا اليوم إلى لحظة للتعبير عن الغضب، والعتاب، والاحتجاج، وربما أيضًا عن الرغبة في محاسبة، من يرون أنهم، لم ينصفوا هذه الفئة خلال سنوات طويلة.
لكن “الانتقام” الذي نتحدث عنه هنا، ليس انتقامًا بالمعنى الذي تحمله الكلمة في لحظاتها القاسية، وإنما هو انتقام ديمقراطي هادئ، حضاري وسلمي، عنوانه الأبرز: صندوق الاقتراع.
فالمتقاعد الذي أفنى عقودًا من عمره في العمل، وقدم من صحته ووقته وجهده ما استطاع، لا يحتاج إلى الصراخ، حتى يُسمع صوته، ولا إلى الفوضى حتى يعبر عن غضبه. يكفيه أن يتذكر يوم الاقتراع، وأن يدخل إلى مركز التصويت، وأن يمارس حقه الدستوري بكل هدوء ووعي، وأن يقول كلمته بالطريقة التي يراها مناسبة.
27 سنة من المعاش.. ليست مجرد أرقام
صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحمل رسالة واضحة: “من جمد معاشاتنا 27 سنة، سنجمد مستقبله السياسي بصناديق الاقتراع.”
وبغض النظر عن اختلاف الناس حول دقة هذا الطرح أو تفاصيله، فإن خلفه إحساسًا حقيقيًا، لدى كثير من المتقاعدين، بأن سنوات العمل الطويلة، لم تُترجم دائمًا إلى حياة كريمة بعد التقاعد.
فالمتقاعد لا يعيش على الذكريات.
المتقاعد لديه فاتورة كهرباء، ومصاريف منزل، وحاجيات يومية، وأدوية، ومتطلبات أسرية، وأحيانًا أبناء وبنات، لا يزالون يحتاجون إلى الدعم. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح المعاش المحدود أكثر محدودية، ويصبح كل ارتفاع في الأسعار محسوسًا بشكل أكبر لدى، من لا يملك راتبًا قابلًا للزيادة مع كل موجة غلاء.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
ليست القضية بالنسبة إلى المتقاعد مجرد رقم، يظهر في الحساب البنكي نهاية كل شهر، وإنما هي كرامة إنسان قضى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة الإدارة أو المؤسسة أو القطاع الذي اشتغل فيه، ثم وجد نفسه أمام مرحلة جديدة من الحياة، يفترض أن تكون أكثر راحة وطمأنينة، فإذا بها في بعض الحالات مرحلة جديدة، من القلق والحسابات اليومية.
المتقاعد لا ينسى
قد ينسى السياسي خطابًا، قاله قبل سنوات.
وقد تنتهي الحملة الانتخابية، وتختفي الشعارات والملصقات من الشوارع.
لكن المواطن، وخصوصًا المتقاعد، لديه ذاكرة طويلة.
يتذكر الوعود.
يتذكر ما قيل له.
يتذكر ما انتظره، ولم يتحقق.
ويتذكر أيضًا كيف تغيرت قدرته الشرائية، وكيف أصبح تدبير ميزانية البيت أكثر صعوبة، وكيف أصبح المعاش الذي كان يبدو مقبولًا في مرحلة معينة، أقل قدرة على مواجهة متطلبات الحياة في مرحلة أخرى.
ولهذا، فإن صندوق الاقتراع، قد يكون بالنسبة إلى هذا المواطن دفتر حساب سياسيًا، وليس مجرد ورقة يضعها داخل صندوق.
قد يقول المتقاعد يومها:
لقد انتظرت طويلًا… والآن جاء دوري لأقول كلمتي.
أخنوش في مواجهة سؤال المتقاعدين
من الطبيعي أن تتحول السياسات الاجتماعية والاقتصادية إلى مادة للنقاش والمحاسبة السياسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفئات اجتماعية، تشعر بأن مصالحها، لم تأخذ ما تستحقه من الاهتمام.
وإذا كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش وحزبه سيخوضان الاستحقاقات السياسية المقبلة، فإن من حق المتقاعدين، مثلهم مثل باقي المواطنين، أن يسألوا:
ماذا تحقق؟
ماذا تغير؟
هل تحسنت أوضاع المتقاعدين؟
هل أصبحت معاشاتهم،، أكثر قدرة على مواجهة تكاليف الحياة؟
هل تم اتخاذ إجراءات كافية، لحماية قدرتهم الشرائية؟
وهل شعر المواطن المتقاعد بأن الدولة، تنظر إليه باعتباره صاحب حق وتاريخ من العطاء، وليس مجرد رقم في إحصائيات اجتماعية؟
هذه الأسئلة، لا تحتاج إلى خصومة شخصية مع أحد.
إنها ببساطة أسئلة سياسية مشروعة.
والجواب النهائي عليها، لا يملكه لا رئيس الحكومة ولا المعارضة ولا النقابات ولا الصحافة.
الجواب يملكه المواطن نفسه، عندما يدخل إلى صندوق الاقتراع.
“الانتقام” الحقيقي.. أن تذهب إلى التصويت
ربما تكون أقوى رسالة، يمكن أن يوجهها المتقاعد هي ألا يقاطع.
فالمقاطعة قد تجعل الغضب صامتًا.
أما المشاركة، فهي التي تحول الغضب إلى موقف سياسي واضح.
إذا كان المتقاعد غير راضٍ عن السياسات العمومية، فليعبر عن ذلك بالوسيلة الديمقراطية المتاحة له.
وإذا كان راضيًا، فليدعم من يراه أهلًا للثقة.
وإذا كان مترددًا، فليقرأ البرامج ويسأل ويقارن ويختار.
المهم ألا يترك القرار لغيره.
لأن من لا يشارك في صناعة القرار، قد يجد نفسه مضطرًا إلى العيش، مع نتائج قرار صنعه الآخرون.
ولهذا يمكن القول:
لا تنتقم بالصراخ… انتقم بالصوت.
لا تنتقم بالفوضى… انتقم بالوعي.
لا تنتقم بالكراهية… انتقم بالاختيار.
ولا تنتقم من شخص… بل حاسب سياسة عبر صندوق الاقتراع.
هذه هي الديمقراطية.
المتقاعدون ليسوا كتلة هامشية
هناك خطأ كبير في التعامل مع المتقاعدين، باعتبارهم، فئة انتهى دورها بمجرد خروجها من الوظيفة.
المتقاعد مواطن كامل الحقوق.
وهو في كثير من الأحيان رب أسرة، وأب، وجد، وفاعل داخل محيطه الاجتماعي، وله علاقات واسعة، وتجربة طويلة، وقدرة على التأثير في أسرته ومحيطه.
ثم إن المتقاعد ليس وحده.
وراءه أسرة، تسمع شكواه.
وأبناء يعرفون ظروفه.
وأحفاد يعيشون معه تفاصيل الحياة.
وبالتالي، فإن أي سياسة تمس المتقاعد، لا تبقى محصورة في شخصه، وإنما يمكن أن يكون لها أثر على الأسرة بأكملها.
ولهذا، فإن تجاهل مطالب هذه الفئة قد يتحول مع مرور الوقت إلى رصيد من عدم الرضا السياسي.
الرسالة ليست فقط إلى أخنوش
وربما هنا تكمن النقطة الأهم.
إذا كانت الرسالة موجهة اليوم إلى أخنوش، فإنها في الحقيقة، يجب أن تكون رسالة إلى كل الأحزاب والفاعلين السياسيين.
المتقاعد يريد أن يعرف:
من سيحمل ملفه؟
من سيدافع عن قدرته الشرائية؟
من سيقترح حلولًا واقعية؟
من سيقدم أرقامًا واضحة بدل الشعارات؟
من سيضع المتقاعد ضمن أولويات برنامجه الانتخابي؟
ومن سيكتفي بتذكره أيام الانتخابات، ثم يعود لينساه بعد ظهور النتائج؟
المتقاعدون، لا يحتاجون إلى خطابات عاطفية فقط.
هم بحاجة إلى برامج، والتزامات، وآجال، وأرقام، وآليات واضحة للتنفيذ.
فالوعود الانتخابية سهلة.
أما الوفاء بها، فهو الاختبار الحقيقي.
صندوق الاقتراع لا ينسى
السياسيون يعرفون جيدًا أن صناديق الاقتراع لا تتحدث، لكنها تكشف الكثير.
لا تصرخ.
لا ترفع الشعارات.
لا تدخل في جدال.
لكنها في النهاية، تعطي نتيجة.
ولهذا، فإن الرسالة التي يمكن أن يحملها المتقاعد يوم 23 شتنبر، يمكن اختصارها في جملة واحدة:
“لقد استمعنا إليكم سنوات طويلة… والآن جاء دوركم لتستمعوا إلينا.”
وهنا يصبح التصويت رسالة.
والاختيار رسالة.
والمشاركة رسالة.
وحتى تغيير الاختيار رسالة.
لكنها كلها رسائل، يجب أن تبقى داخل الإطار الديمقراطي والقانوني، لأن قوة المواطن الحقيقية، ليست في الغضب وحده، وإنما في قدرته على تحويل غضبه إلى موقف مسؤول.
إلى كل متقاعد: لا تجعل غضبك يضيع
إذا كنت تشعر بأن معاشك، لم يعد يكفي.
إذا كنت ترى أن قدرتك الشرائية تراجعت.
إذا كنت تعتقد أن ملف المتقاعدين، لم يحظَ بما يستحق من الاهتمام.
إذا كنت تحمل في نفسك عتابًا على الحكومة أو الأحزاب أو المسؤولين…
فلا تجعل كل ذلك، مجرد حديث في المقاهي والبيوت ومواقع التواصل الاجتماعي.
اذهب إلى صناديق الاقتراع.
اقرأ.
قارن.
اسأل.
ناقش.
ثم اختر.
لا تسمح لأحد، أن يصادر صوتك.
ولا تسمح للغضب، أن يحرمك من ممارسة حقك.
ولا تجعل “الانتقام”، مجرد كلمة في منشور على فيسبوك.
اجعله موقفًا ديمقراطيًا واعيًا ومسؤولًا.
والرسالة الأخيرة إلى الحكومة
المتقاعد لا يطلب المستحيل.
هو يريد أن يشعر بأن السنوات التي قضاها في العمل، لم تذهب سدى.
يريد أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة.
يريد معاشًا يحميه، من الحاجة قدر الإمكان.
يريد خدمات صحية واجتماعية، تليق بإنسان أفنى سنوات من حياته في العمل.
ويريد قبل كل شيء أن يشعر بأن الدولة، لا تتذكره فقط عندما تحتاج إلى صوته.
فإذا كان يوم الاقتراع هو يوم الحساب السياسي، فإن أفضل طريقة لتفادي الغضب الشعبي، ليست مهاجمة المواطنين، ولا اتهامهم، ولا التقليل من شأن مطالبهم.
أفضل طريقة هي الاستماع إليهم قبل أن يصلوا إلى صندوق الاقتراع.
لأن المواطن عندما يشعر بأن صوته مسموع، يصبح الحوار ممكنًا.
أما عندما يشعر بأن صوته، لا يُسمع إلا يوم الانتخابات، فمن الطبيعي أن يجعل من ذلك اليوم، موعدًا للتعبير عن موقفه.
الخلاصة
المتقاعدون قد لا يملكون سلطة القرار داخل مكاتب الحكومة، لكنهم يملكون سلطة مهمة جدًا داخل صندوق الاقتراع.
وقد لا يستطيع المتقاعد تغيير قرار حكومي بمفرده، لكنه يستطيع أن يقول يوم الانتخابات: هذا القرار أرضاني، أو لم يرضني.
لذلك، فإن “انتقام المتقاعدين من أخنوش”، إذا أردنا استعمال هذا التعبير القوي، يجب أن يكون انتقامًا ديمقراطيًا لا أكثر:
صندوق الاقتراع بدل الشارع،
الصوت بدل الصراخ،
الوعي بدل الفوضى،
والاختيار بدل الكراهية.
وفي النهاية، ليست صناديق الاقتراع ملكًا للحكومة، ولا للمعارضة، ولا لأي حزب.
إنها ملك للمواطن.
ويوم يضع المواطن ورقته داخل الصندوق، يكون قد قال كلمته.
فهل ستكون يوم 23 شتنبر 2026 بداية محاسبة سياسية جديدة للمتقاعدين؟
الجواب لن يكون في المنشورات.. بل في صناديق الاقتراع.




