
ضربة قلم
إذا كان هناك مغاربة، خرجوا من هذه الولاية الحكومية بخلاصة واحدة، فهي أن التقاعد في المغرب، لم يعد يعني الراحة بعد سنوات العمل، بل أصبح يعني الدخول في مرحلة جديدة من الصبر، وكأن المتقاعد مطالب، بعد عقود من الخدمة، بأن يواصل أداء “واجب الانتظار” حتى وهو يحمل بطاقة التقاعد في جيبه.
خمس سنوات مرت بسرعة بالنسبة للحكومة، لكنها مرت ببطء شديد على آلاف المتقاعدين، الذين كانوا يترقبون ولو إشارة بسيطة تقول لهم إن الدولة، لم تنس من أفنوا أعمارهم في خدمة الإدارة والمدرسة والمستشفى والجماعة الترابية والمرفق العمومي. لكن الذي حدث هو العكس تماما؛ فقد كانت أبواب الحوار الاجتماعي تفتح على مصراعيها، وتوزع الزيادات هنا وهناك، بينما ظل المتقاعد، يتابع المشهد من بعيد، وكأنه يشاهد حفلا، لم يتلق دعوة لحضوره.
المفارقة التي يصعب فهمها أن الحكومة كانت تتحدث في كل مناسبة عن “الدولة الاجتماعية”، لكن يبدو أن هذه الدولة الاجتماعية، كانت تعاني من حساسية مفرطة تجاه كلمة “المتقاعد”. فكلما ذُكر هذا الملف، ارتفعت حرارة اللجان التقنية، وانخفضت حرارة القرارات.
لقد تحول ملف المتقاعدين إلى قصة عجيبة؛ كل الوزراء يعترفون بأن أوضاعهم صعبة، وكل المسؤولين يقرون بأن القدرة الشرائية تراجعت، وكل التقارير تتحدث عن ارتفاع الأسعار، لكن عندما يصل الحديث إلى الزيادة في المعاشات، فجأة تصبح خزينة الدولة أشبه بصندوق فارغ، لا يسمع فيه سوى صدى كلمة: “اصبروا.”
والغريب أن الحكومة لم تبخل على المواطنين بالكلمات الجميلة. فهناك إصلاح، وهناك رؤية، وهناك تشخيص، وهناك ورش، وهناك لجنة، وهناك لجنة تتابع اللجنة، وربما لجنة أخرى لتقييم نتائج اللجنة الأولى، لكن المتقاعد الذي يذهب إلى السوق لا يستطيع أن يشتري كيلوغراما من الطماطم ببيانات صحفية، ولا يستطيع أن يؤدي فاتورة الدواء بمحاضر الاجتماعات.
ويبدو أن بعض المسؤولين تصوروا أن المتقاعد، لم يعد يحتاج إلى شيء، لأنه خرج من سوق الشغل. وكأن الإنسان بمجرد تقاعده يتوقف عن الأكل، ولا يمرض، ولا يؤدي فواتير الماء والكهرباء، ولا يعيل أبناء أو أحفادا، ولا يحتاج إلى دواء، قد يلتهم نصف معاشه قبل أن ينتصف الشهر.
لقد نجحت هذه الحكومة في إنجاز غريب يستحق الدراسة؛ فهي استطاعت أن تجعل المتقاعد يشعر بأنه أصبح “خارج الخدمة” حتى في السياسات العمومية.
والأطرف من ذلك أن الحكومة ظلت تردد أن إصلاح أنظمة التقاعد ضرورة وطنية، وهو كلام لا يختلف حوله اثنان، لكن السؤال الذي يطرحه المتقاعد البسيط هو: ومن سيصلح معاشي أنا؟
فالإصلاح شيء، وإنصاف المتقاعد شيء آخر.
إنقاذ الصناديق ضرورة، لكن إنقاذ الإنسان الذي يعيش منها ضرورة أكبر.
ولأن الملف معقد، اختارت الحكومة الحل الأسهل: تأجيله.
وكأنها تقول للمتقاعدين: “نحن مقتنعون بمعاناتكم، لكن الحكومة المقبلة، ستكون أقدر على مواساتكم.”
إنه منطق يشبه طبيبا يعاين مريضا، ويقول له بثقة: “تشخيصك صحيح… أما العلاج، فسأتركه للطبيب الذي سيأتي بعدي.”
وبينما كانت الحكومة تتباهى بالأرقام الكبرى، كان المتقاعد منشغلا بأرقام أكثر بساطة وأكثر قسوة:
كم بقي من معاشه بعد شراء الدواء؟
كم بقي بعد أداء فاتورة الكهرباء؟
كم بقي بعد اقتناء المواد الغذائية؟
وكم بقي من الكرامة، عندما يضطر إلى الاستدانة وهو الذي قضى أربعين سنة يؤدي الضرائب والاقتطاعات؟
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن هذه الفئة، ليست عبئا على الدولة، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي الفئة التي بنت الإدارة المغربية، ودرّست أجيالا، وعالجت المرضى، وأدارت المؤسسات، وساهمت في بناء الاقتصاد. هؤلاء لم يطلبوا امتيازا، بل طالبوا بأن تحافظ معاشاتهم على الحد الأدنى من قيمتها أمام موجة الغلاء التي لم تترك بيتا إلا وطرقته.
اليوم، ونحن على بعد أسابيع قليلة، من نهاية هذه الولاية الحكومية، يصعب على أي مراقب محايد أن يسجل إنجازا بارزا لفائدة المتقاعدين. فالزيادات العامة في المعاشات لم تتحقق، والإصلاح الشامل لم يكتمل، والوعود بقيت معلقة، بينما بقيت القدرة الشرائية في تراجع مستمر.
قد تختلف الآراء حول حصيلة الحكومة في ملفات أخرى، لكن في ملف المتقاعدين، يبدو المشهد أكثر وضوحا من أي وقت مضى؛ فقد غادرت الحكومة محطات كثيرة، وتركت وراءها فئة كاملة لا تزال تنتظر قطارا لم يصل.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق الأحزاب مع اقتراب الانتخابات:
إذا كانت الحكومة لم تجد الوقت لإنصاف من خدموا الوطن طوال عقود، فكيف ستقنع الشباب، بأنها ستنصفهم عندما يصبحون هم أيضا متقاعدين؟
ذلك هو السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات، ولا البلاغات، ولا الندوات الصحفية… بل تجيب عنه فقط معاشات آخر كل شهر.




