المتقاعدون في الواجهة: صرخة منسية

ضربة قلم
لم يعد ملف المتقاعدين مجرد قضية اجتماعية عادية تُؤجَّل من جولة حوار إلى أخرى، بل تحوّل إلى جرح مفتوح في جسد الواقع المغربي. فهذه الفئة، التي أفنت سنوات عمرها في خدمة الإدارة أو القطاع الخاص، تجد نفسها اليوم في مواجهة قاسية مع غلاء لا يرحم، ومعاشات جامدة لا تتحرك إلا في الخطابات.
المتقاعد المغربي لم يعد يطالب بالرفاه، بل بالكفاف. لم يعد ينتظر امتيازات، بل الحد الأدنى من العيش الكريم. ومع ذلك، تبدو الهوة شاسعة بين ما يُطلب وما يُقدَّم. فالمعاش الذي كان يكفي بالأمس لتدبير ضروريات الحياة، أصبح اليوم عاجزًا حتى عن تغطية أساسيات مثل الغذاء والدواء وفواتير الخدمات. ومع كل موجة غلاء جديدة، تتآكل قيمته أكثر، وكأن الزمن وحده من يتحرك… بينما المعاش متوقف عند نقطة قديمة لا تعكس واقع الأسعار الحالي.
اللافت أن صرخة المتقاعدين لم تعد خافتة كما في السابق. فقد بدأت ترتفع تدريجيًا، عبر بيانات وتجمعات ومطالب صريحة بمراجعة شاملة للمعاشات، بما يتلاءم مع الارتفاع الصاروخي لتكاليف المعيشة. هذه المطالب لم تأتِ من فراغ، بل من واقع يومي مرير تعيشه آلاف الأسر التي أصبحت تُدبّر يومها بمنطق “التقسيط” حتى في أبسط الحاجيات.
الأخطر في المشهد أن كثيرًا من المتقاعدين باتوا يعيشون نوعًا من “الإقصاء الصامت”. فلا هم ضمن الفئات النشيطة التي تُستهدف ببرامج الدعم، ولا هم ضمن الأولويات السياسية العاجلة. وبين هذا وذاك، يجدون أنفسهم في منطقة رمادية، يدفعون ثمن سنوات من الانتظار دون أن يلوح في الأفق حل جذري.
إن المطالب اليوم لم تعد تحتمل التسويف: مراجعة المعاشات، إقرار زيادات عاجلة، وربطها بشكل دوري بمؤشرات الغلاء. فكرامة من خدموا الدولة والمجتمع لعقود لا يمكن أن تُترك رهينة توازنات مالية أو حسابات ظرفية.
في زمن يُقاس فيه التقدم بمدى حماية الفئات الهشة، يبدو أن المتقاعدين في المغرب يطرحون سؤالًا حقيقيًا:
هل جزاء سنوات العمل هو القلق اليومي على لقمة العيش؟




