المتقاعدون يُنَادَون برقم التأجير!
حين يُختزل الإنسان في رقم... وتُطوى ذاكرة الخدمة في ظرف إداري

ضربة قلم
في المغرب، لا شيء يُشعرك بأنك صرت عبئًا على الدولة أكثر من اللحظة التي تُحال فيها على التقاعد. لا حفلة وداع. لا شهادة تقدير. لا كلمة شكر. فقط إشعار إداري يخبرك أن زمنك انتهى. وأنك من الآن فصاعدًا، مجرد رقم تأجير تنتظره كل شهر “إحالة حياة” تُسمى تقاعدًا، لكنها في واقع الحال تصفية رمزية لما تبقى من الكرامة.
واش السيد رقم 327846 راه جا؟
نعم، هكذا أصبح يُنادى على الكثير من المتقاعدين في الإدارات والمؤسسات: برقم التأجير. وكأن الإنسان بعد سنوات من الخدمة، من التضحية، من التنقل، من الأمراض المهنية، يُصبح مجرد رقم في قاعدة بيانات، لا يحمل لا اسمًا ولا ذاكرة.
في كثير من المصالح الاجتماعية التابعة لصناديق التقاعد أو المستشفيات العسكرية أو مؤسسات الأعمال الاجتماعية، يُنادَى على المتقاعد هكذا:
– “فين مول 348920؟”
– “هاداك ديال الرباط؟ داك اللي جا يطلب قرض صحي ولا مساعدة؟”
لم يعد هناك من يسأل:
– “فين الحاج عبد السلام؟”
– “فين السيدة زهرة اللي خدمت 35 سنة في قطاع التعليم؟”
بل كل شيء يُختزل في المعرف الرقمي… في “رمز المستخدم”… في “كود التقاعد”. وكأن الدولة تقول لك صراحة: “أنت انتهيت… والآن، لا نحتاجك إلا لتصفية معاشك الطبي والمالي.”
من بناة الوطن… إلى هوامشه
في المدارس، في أقسام الشرطة، في مراكز البريد، في المستشفيات، في الجيش، في قطاعات مختلفة، هناك رجال ونساء أعطوا عقودًا من حياتهم في خدمة هذا البلد. بعضهم دُفن في صمت بعد مرض طويل، بعضهم يبيع “النعناع” في الأسواق الشعبية، وبعضهم يُذِلّ نفسه في طوابير أمام أبواب مؤسسات تعِد ولا تفي.
هل من المعقول أن يُمنح متقاعد معاشًا هزيلاً لا يكفيه حتى لشراء دواء الضغط أو السكري؟
هل من المعقول أن يمضي المتقاعد حياته بعد سن الستين في ملاحقة ورقة هنا وتوقيع هناك؟
هل من المنطقي أن تكون عبارة: “هذا راه متقاعد، ما عندوش الأسبقية” ردًا على إنسان أفنى عمره في خدمة الوطن؟
التقاعد ليس موتًا بطيئًا… بل شهادة إقصاء اجتماعي
في بلد يتحدث عن “الدولة الاجتماعية”، يعيش المتقاعد المغربي عزلة مزدوجة:
- عزلة مادية: معاشات هزيلة، لا تكفي للعيش الكريم.
- وعزلة رمزية: لا احترام، لا تواصل، لا إدماج اجتماعي.
الأسوأ من هذا أن نظام التقاعد نفسه يعاني من اختلالات بنيوية، تُهدد بوجوده في السنوات القادمة. تقارير المجلس الأعلى للحسابات كشفت أن العديد من الصناديق على حافة الإفلاس، وبعضها لا يمكنه الصمود أكثر من عشر سنوات إذا استمرت الوضعية الحالية.
إعادة الاعتبار للمُتقاعد: أول لبنة في بناء مجتمع يُقدّر أبناءه
المتقاعد ليس “عبئًا”، بل ذاكرة حيّة، وخزان كفاءات، وعنوان للوفاء.
في الدول التي تحترم شعوبها، تُخصّص للمتقاعدين أنشطة ثقافية وإدماجية، ويُستثمر في خبراتهم، وتُفتح لهم أبواب الجمعيات والاستشارات.
في ألمانيا، يُنادى عليهم بأسمائهم مع كل زيارة صحية، وتُرسل لهم تهاني الحكومة في أعياد ميلادهم بعد التقاعد.
أما في المغرب، فالمتقاعد يُختزل في ملف إداري، يُرمى على رفّ متهالك في أرشيف وزارة لا تتذكره إلا في الإحصائيات.
فهل نعيد له اسمه قبل أن ندفنه تحت رقم؟
ألا يستحق من أعطى ثلاثين أو أربعين عامًا من حياته لهذا البلد أن يُحترم؟ أن يُكافأ؟ أن يُنادَى باسمه الكامل؟
هل نحتاج إلى ثورة رمزية تعيد له هويته قبل معاشه؟
في النهاية، قد يُقال عنك ما قيل عن آلاف غيرك:
“كان اسمه… ثم صار رقمًا في نظام التقاعد.”




