ضربة قلم
في خضم سعيها إلى “تنظيم البيت الإداري”، خرجت نبيلة الرميلي، بتعليمات صارمة موجهة إلى مختلف مقاطعات العاصمة الاقتصادية، تدعو فيها إلى وضع حد لاستمرار بعض الموظفين المحالين على التقاعد، في مزاولة مهامهم داخل الإدارات. خطوة قُدّمت في قالب قانوني صارم، لكنها في العمق تطرح سؤالاً أكبر: هل أصبح المتقاعد عبئًا، يجب التخلص منه، أم خبرة تُدفع دفعًا نحو الهامش؟
لغة القرار كانت واضحة: القانون فوق الجميع، والعلاقة الإدارية تنتهي بمجرد الإحالة على التقاعد. لا نقاش في ذلك من حيث المبدأ. لكن، وسط هذا الحزم التنظيمي، يغيب عنصر أساسي: الإنسان. ذاك الذي قضى عقودًا بين المكاتب، يوقع، ينجز، يتحمل ضغط المرتفقين، ويتعايش مع أعطاب الإدارة، ليجد نفسه فجأة خارج اللعبة… وكأن سنوات الخدمة كانت مجرد “عقد مؤقت طويل الأمد”.
الحديث عن “خرق المشروعية” و”انعدام المسؤولية القانونية” يبدو منطقياً في النصوص، لكنه يصبح قاسياً حين يُسقط على واقع يعرفه الجميع: إدارات تعاني نقصًا في الكفاءات، وذاكرة مهنية تختفي مع كل تقاعد. فهل المشكلة حقاً في المتقاعد الذي يُستدعى أحيانًا لسد فراغ، أم في منظومة لم تنجح بعد في ضمان انتقال سلس للخبرة؟
المفارقة أن بعض هؤلاء المتقاعدين لا يعودون طمعًا في أجر إضافي، بل بدافع الإحساس بالمسؤولية أو حتى الحاجة المعنوية للبقاء فاعلين. في مجتمع لا يوفر دائمًا بدائل حقيقية لكبار السن، يصبح المكتب امتدادًا للحياة، لا مجرد وظيفة. فهل يُعقل أن نُقابل هذا الامتداد بقرار إداري جاف، دون التفكير في صيغ مرنة، تحفظ الكرامة وتستثمر التجربة؟
في المقابل، حاول رئيس إحدى مقاطعات الدار البيضاء تهدئة الصورة، معتبرًا أن الأمر لا يتجاوز كونه، تذكيرًا احترازيًا أكثر منه إجراءً استثنائيًا، ومشيرًا إلى أن المقاطعة التي يشرف عليها، لا تعرف مثل هذه الوضعيات. غير أن هذا التوضيح يوحي، بين سطوره، بأن الحالات المتداولة -إن وُجدت- تبقى معزولة ومحدودة، ولا ترقى إلى مستوى ظاهرة، تستدعي كل هذا التشدد.
هنا بيت القصيد: بدل التعامل مع المتقاعد كـ”وضعية غير قانونية” يجب إنهاؤها فورًا، لماذا لا يُنظر إليه، كرصيد بشري، يمكن تأطيره قانونيًا؟ لماذا لا يتم التفكير في صيغ استشارية، أو عقود خبرة محددة، تضمن نقل المعرفة دون خرق القانون؟ أليست الحكامة الجيدة، التي يُرفع شعارها، تعني أيضًا حسن تدبير الكفاءات، لا فقط تطبيق النصوص بحرفية باردة؟
الرهان الحقيقي ليس في طرد المتقاعدين من المكاتب، بل في منع تحوّل التقاعد إلى إقصاء. فالإدارة التي لا تحسن توديع أبنائها، لن تحسن استقبال جددها. وبين نص قانوني لا يُجادل فيه، وواقع اجتماعي يفرض نفسه، يبقى السؤال معلقًا:
هل نريد إدارة تحترم القانون فقط… أم إدارة تحترم الإنسان أيضًا؟




