
ضربة قلم
لا شكّ أن قضية المجلس الوطني للصحافة بعد خروج الفيديو المسرب من داخله إلى الرأي العام، خلّفت موجة واسعة من الجدل، تعدّت حدود النقاش المهني، لتصل إلى دوائر سياسية وحقوقية. بعض الفاعلين الحقوقيين، إضافة إلى وزراء سابقين تعاقبوا على حقيبة الاتصال، عبّروا عن غضب واضح، معتبرين ما جرى مساساً بصورة مؤسسة يُفترض أن تكون حامية لأخلاقيات المهنة لا مصدراً للارتباك.
غير أن النقاش أخذ منعطفاً أكثر حساسية، حين خرج وزير الاتصال الحالي -الذي تجمع على كتفيه تبارك الله ثلاث حقائب دفعة واحدة، بعدما كان في زمن غير بعيد يرافق أحد كبار الفاعلين السياسيين حاملاً حقيبته- ليصرّح تحت قبّة البرلمان بأن «كل من يطالب بحلّ المجلس عدمي». تصريح غير مسبوق في تاريخ الحكومات المتعاقبة منذ فجر الاستقلال، إذ لم يسبق لأي مسؤول حكومي أن وصف الرأي الصحفي المخالف بهذه الطريقة المباشرة.
الصحافيون، مثلما يعرف القاصي والداني، أصحاب مسار تشكّل عبر التجربة والميدان، وصناعة ذاتية اشتد عودها بالاحتكاك اليومي بقضايا المجتمع، وليسوا صنيعة «تعليمات» ولا نتاج غرف مغلقة. بل إنهم، طوال عقود، هم من ساهموا -من خلال أقلامهم وانتقاداتهم- في تنشئة فضاء عمومي يقرأ الواقع، لا يتجمّد عند الأضواء الحمراء.
اليوم، لا يتعلق الأمر بجدل عابر، بل بنقاش عميق حول حدود الخطاب الرسمي، واحترام اختلاف الرأي، ومكانة الصحافة في معادلة السلطة. فحين تُختزل الآراء المخالفة في كلمة «عدمية»، يصبح الخوف مشروعاً من انزلاق يمنح الشرعية لخطاب آخر يريد من الصحفي أن يصفّق، لا أن يراقب… وأن يتبع الضوء الأخضر دائماً، حتى حين يكون الطريق غير آمن.




