
ضربة قلم
جني التمور في المغرب، وخصوصاً في جهة درعة-تافيلالت، ماشي مجرد موسم فلاحي عادي، بل هو حدث اقتصادي واجتماعي وثقافي كيخلّي المنطقة كلها تدور بحال ساعة سويسرية… غير الفرق أن الساعة هنا كتضبطها النخلة.
منذ قرون، كان الفلاح كيستنا بشغف هاد الموسم: النخيل اللي عاش معاه طوال السنة، وكيعتني به بعرق الجبين، من السقي حتى لحماية الثمار من الرياح والطيور، كيولي بحال “خزنة” طبيعية مفتوحة، كتوفر له رزق العام كامل. ووسط هاد التنوع الكبير، كيبرز “المجهول” أو “الملك بلا منازع” ديال التمور. هاد الصنف تحديداً عندو قيمة استثنائية: غالي فالسوق، مطلوب حتى عند المستهلك الأجنبي، وكيشكل واجهة تجارية للمغرب فالعالم. لكن إلى جانب “المجهول”، كاين أصناف أخرى ما خاصناش ننسوها: البوفكوس، الجعرور، بوسليخن، الحرشا، أزيزا، الفيجي… كلها كتضفي تنوعاً بيولوجياً واقتصادياً، وكتلعب دوراً فمعيشة آلاف الأسر.
عملية الجني ماشي سهلة: كيتسلقو النخلة بحذر، كيقطفو التمور، وكيتفرزوها حسب الجودة. اللي صالحة للاستهلاك المباشر كتتباع بسرعة، واللي خاصها تخزين كتدخل فمسلسل طويل ديال الفرز والتوضيب وحتى التبريد. هنا فين كيبان “المفتاح الذهبي” ديال الموضوع: مستودعات التبريد.
في السنوات الأخيرة، الدولة عبر برامج بحال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو مشاريع التعاونيات الفلاحية، أحدثت مستودعات تبريد باش تحافظ على جودة التمور بعد الجني، خصوصاً أن الحرارة فدرعة-تافيلالت قادرة تحوّل أي مخزون إلى “شريحة تمور مطبوخة” فظرف أيام. التبريد كيضمن للمزارع يبيع إنتاجو بالتدريج، ماشي كامل مرة وحدة وبثمن بخس. وكيتيح حتى الولوج لأسواق وطنية ودولية بجودة عالية.
لكن… السؤال اللي كيطرح راسو هنا، وبطريقة بريئة تماماً، بحال واحد اللي كيتساءل علاش الحافلة كتوقف غير لبعض الناس: هل فعلاً هاد المستودعات مفتوحة للجميع؟ واش الفلاح الصغير اللي عندو غير 50 نخلة كيقدر يجيب محصولو ويستفد من التبريد، ولا خاص يكون منخرط فواحدة “شبكة علاقات” باش يتقبل إنتاجو؟ واش التعاونيات الصغيرة عندها نفس الحق بحال المنتجين الكبار، ولا التبريد كيبقى امتياز محدود “لناس معروفين”؟
اللي كيتداول بين الناس، بدون اتهام مباشر طبعاً، هو أن الاستفادة ماشي بالضرورة متساوية. بعض المزارعين الصغار كيحسو راسهم مضطرين يبيعو التمور ديالهم بسرعة لتجار الجملة بثمن ضعيف، فقط لأنهم ما عندهمش مكان يخزنوه. بينما منتجين آخرين كيبقاو مرتاحين، عارفين أن المستودع غادي يحافظ ليهم على الجودة حتى يختارو الوقت المناسب للبيع.
هنا كيتحول “المجهول” من مجرد نوع ديال التمر إلى رمز: مجهول في الثمن العادل، مجهول في المستفيد الحقيقي من البنيات التحتية، ومجهول في كيفاش المبادرات التنموية كتطبق على أرض الواقع.
الخلاصة: جني التمور هو احتفال موسمي كبير، فيه تعب الفلاح، فيه فرحة الأسواق، وفيه حتى النقاشات “الباردة” على حرارة الاستفادة. التمور كتجمع الناس على المائدة، ولكن كتفرقهم فمستودع التبريد.




