المحامون يشهرون “البطاقة الحمراء” في وجه الحكومة.. معركة الدفاع عن العدالة تبدأ من أمام البرلمان

ضربة قلم
لم تكن الوقفة الوطنية التي احتضنها محيط البرلمان، اليوم، مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل حملت كل مقومات المعركة المفتوحة. فالحضور الكثيف للمحاميات والمحامين، ووحدة الصف التي طبعت المشهد، والرسائل القوية التي حملها البلاغ الصادر عقب الوقفة، كلها تؤكد أن المهنة دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الدفاع المستميت عن استقلال المحاماة، ورفض أي تشريع يُنظر إليه على أنه يمس مكانتها الدستورية ورسالتها في حماية الحقوق والحريات.
من يقرأ البلاغ الصادر عقب الوقفة، يدرك منذ السطور الأولى، أنه ليس مجرد بيان عادي، بل وثيقة نضالية تحمل لغة حازمة، وتعلن بوضوح أن زمن الصمت قد انتهى، وأن المحامين قرروا الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل في معركة يعتبرونها مصيرية.
فالبلاغ لا يتحدث عن خلاف تقني حول بعض المواد القانونية، وإنما يقدم مشروع القانون باعتباره نقطة تحول قد تعيد رسم علاقة المحاماة بالدولة، وهو ما يفسر وصفه للمشروع بأنه يتضمن تراجعات خطيرة تمس ما راكمته المهنة عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات.
ويتعمد البلاغ نقل النقاش، من دائرة المطالب المهنية إلى فضاء أوسع، مؤكداً أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً لفئة معينة، وإنما هو صمام أمان لكل مواطن يبحث عن عدالة حقيقية ومحاكمة منصفة. وكأن الرسالة تقول إن أي مساس بالمحاماة لن يتوقف أثره عند أبواب الهيئات المهنية، بل سيمتد إلى الثقة في منظومة العدالة برمتها.
كما يكشف البلاغ، عن تحول لافت في أسلوب الخطاب، إذ لم يكتف بتسجيل الرفض، بل وضع مطالب واضحة لا تحتمل التأويل، في مقدمتها سحب مشروع القانون، وفتح حوار جدي تشارك فيه المهنة كشريك أساسي، وصولاً إلى صياغة نص توافقي يحترم الدستور ويحافظ على استقلال المؤسسات المهنية للمحامين.
ومن بين السطور أيضاً، يمكن قراءة رسالة سياسية ومؤسساتية مفادها أن المحامين يعتبرون أنفسهم طرفاً أصيلاً في إصلاح العدالة، وليسوا مجرد هيئة استشارية تُستدعى بعد اتخاذ القرار، وهو ما يفسر تشبثهم بحقهم في المشاركة الفعلية في كل إصلاح يهم مهنتهم ورسالتهم.
أما الرسالة الأخيرة في البلاغ، فهي الأكثر وضوحاً؛ إذ تؤكد أن الوقفة ليست نهاية المطاف، وإنما بداية لمسار نضالي جديد، وأن وحدة المحامين التي تجلت أمام البرلمان ستكون رصيداً لمواصلة مختلف الأشكال الاحتجاجية المشروعة إلى حين الاستجابة للمطالب.
وبذلك، فإن وقفة اليوم، لم تكن مجرد احتجاج مهني، بل إعلاناً صريحاً بأن المحاماة المغربية تعتبر نفسها في معركة للدفاع عن استقلالها، وعن موقعها كشريك أساسي في إقامة العدل، وأن الأيام المقبلة قد تحمل محطات أكثر تصعيداً إذا استمر المشروع في مساره التشريعي دون توافق مع أهل المهنة.





https://shorturl.fm/0oEdZ