الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحقق الخاص في المغرب: مهنة تتقن التسلل، لكن القانون لا يعترف بها

ضربة قلم

في المغرب، إذا قلت إنك “محقق خاص”، فإما أن يُنظر إليك كأنك خرجت للتو من فيلم أمريكي من الدرجة الثانية، أو تُرمى بنظرة تشكّك في نواياك كأنك نصاب متنكر في بدلة أنيقة. لا أحد يعرفك قانونيًا، لكن الكل يحتاج إليك. لا أحد يعترف بك رسميًا، لكن القضايا تتراكم على مكتبك كما تتراكم الملفات في محاكم لا وقت لها. أنت موجود… لكن كالأشباح، تتحرك بين الظلال، تقدم خدماتك في الخفاء، ثم تُحاسب وكأنك مجرم خرج عن الصف. في بلدٍ يعشق إنكار ما لا يعرف كيف ينظمه، يصبح المحقق الخاص مثل “الضروري غير المرغوب فيه”، أو كما نقول بالدارجة: “خدّام ومتهم فآنٍ واحد”.
في حديثه إلينا، لم يكن السيد صلاح الدين المدغري علوي، رجل الأمن السابق والمحقق الخاص حاليا بالمحمدية، يتحدث كمن يسوّق لمهنة أو يدافع عن مصلحة شخصية، بل بدا كمن يحاول، بكل مرارة، أن يشرح لمجتمع غافل أن المحقق الخاص ليس مجرد “متطفل على الخصوصية”، بل هو في أحيان كثيرة صمام أمان، وبديل ضروري في حالات يصعب اللجوء فيها إلى الأجهزة الأمنية الرسمية. “الزبون الذي يطرق باب مكتبي لا يثق أحيانًا في أن يذهب إلى الشرطة، ليس لأنه يرفض القانون، بل لأن قضيته حساسة، شخصية، وربما عائلية”، يقول الرجل بنبرة هادئة تخفي خلفها سيلًا من الإحباط.

المشكلة كما وصفها، ليست في العمل بحد ذاته، بل في الإطار القانوني الذي لا يعترف بالمهنة بشكل واضح، بل ويضع المشتغلين فيها في خانة المشتبه بهم. تخيلوا أن تؤسس شركة قانونية، تسجلها في المحكمة، وتدفع الضرائب، وتحصل على وصل من السجل التجاري، ثم يأتي نفس القضاء الذي منحك هذا الاعتراف ليقاضيك بتهمة “انتحال صفة”! المفارقة هنا ليست فقط قانونية، بل أخلاقية أيضًا. كيف يعقل أن يكون المجتمع في حاجة إلى خدمات التحقيق الخاص، في ملفات مدنية وعائلية وتجارية، ثم يُجرّم من يجرؤ على تقديمها؟

ما يُثير الاستغراب أكثر أن فرنسا، التي وضعت جزءًا من الترسانة القانونية المغربية خلال الاستعمار، تعترف بهذه المهنة وتؤطرها وتوفر لها آليات الاشتغال الواضح، بينما المغرب، رغم مرور عقود، ما زال يتعامل مع المحقق الخاص ككائن هجين بين الصحافي الاستقصائي والمخبر غير الرسمي. والنتيجة؟ عدد كبير من الدخلاء، وغياب أي تنظيم فعلي للمهنة، وتحول المجال إلى ساحة للارتجال والسمسرة أحيانًا.

الحديث مع المدغري علوي يكشف أيضًا عن بُعد آخر للمسألة: المعاناة اليومية للمحقق الخاص في المغرب ليست فقط قانونية، بل نفسية وأخلاقية كذلك. فالعامل في هذا الميدان مطالب بأن يكون محترفًا، لكنه يُعامل كمرتكب جريمة. عليه أن يلتزم بالسرية والحياد، لكنه يُنظر إليه كمخترق للخصوصيات. عليه أن يتقن أدوات تكنولوجية وتحليل سلوكي ومهارات تعقب معقدة، لكنه في النهاية قد يُعامل كما يُعامل النصّاب أو المحتال.

المثير للسخرية أن نفس الدولة التي لا تعترف بهذه المهنة رسميًا، تستفيد منها ضمنيًا، حين تُحلّ مشاكل كثيرة خارج ردهات المحاكم، بفضل تقارير وتحقيقات أنجزها محققون خواص. شركات كبيرة تعتمد عليهم لتدبير ملفات حساسة، محامون يلجأون إليهم لتقوية مرافعاتهم، وحتى بعض الأجهزة الأمنية قد تغض الطرف عنهم حين يتعلق الأمر بملف دقيق. لكن، حين يُطرح السؤال علنًا، يكون الجواب جاهزًا: “المهنة غير موجودة قانونيًا”.

أما بخصوص الجمعية التي أُسست قبل سنوات بهدف تأطير المهنة والدفاع عن مصالح العاملين فيها، فإنها تبدو – حسب تعبير المدغري علوي – ككائن خجول، لا يُسمع له صوت، ولا يُعرف له أثر، بل لا تحمل حتى مشروعًا واضحًا للتقنين، وتفتقر لأبسط أدوات الترافع الجاد. وهو ما يزيد الطين بلة، ويترك العاملين في الميدان فريسة للتخبط الفردي، كلٌ يواجه مشاكله وحيدًا.

المفارقة الكبرى أن الحاجة إلى هذه المهنة تزداد يومًا بعد يوم. فالمجتمع المغربي، بتعقيداته الجديدة، وتزايد النزاعات الأسرية والمالية، وتوسع المجال الرقمي، صار في حاجة ماسة لمتخصصين يجيدون كشف المستور دون كسر القوانين، وإعادة رسم خريطة الحقيقة دون إثارة الزوابع. لكن، كيف نطالب بهذا، في حين أننا نصرّ على التعامل مع المحقق الخاص وكأنه يعيش في الخفاء؟ كأننا نريد خدماته، وننكر وجوده في الوقت ذاته.

آن الأوان لفتح نقاش وطني جاد ومسؤول حول هذه المهنة. نقاش يراعي حاجيات المجتمع، ويحترم كرامة العاملين في المجال، ويعيد النظر في الترسانة القانونية القديمة التي لم تعد تواكب تطورات الواقع. فالمحقق الخاص ليس عدوًا للخصوصية، بل حارسًا لها في كثير من الأحيان. وليس خصمًا للقانون، بل ذراعا مدنيًا يساعد على الوصول للحقيقة حين تعجز المؤسسات التقليدية عن ذلك.

ربما يكون من العبث أن نظل نُداري الواقع. فالمهنة موجودة، والخدمات مطلوبة، والفراغ القانوني لا يملؤه إلا الاعتراف والتقنين. أما مواصلة الإنكار، فلن يؤدي سوى إلى مزيد من التعتيم، ومزيد من المتاجرة غير المشروعة بثقة الناس. آن الأوان أن نمنح هذه المهنة اسمها الحقيقي: مهنة قائمة، ضرورية، وتستحق الاحترام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.