المحكمة الدستورية تعيد رسم حدود السلطة داخل مجلس الصحافة

ضربة قلم
يُعدّ قرار المحكمة الدستورية المتعلق بالقانون رقم 026.25 الخاص بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة محطة دستورية مفصلية في مسار تنظيم قطاع الصحافة بالمغرب، ليس فقط بسبب ما انتهى إليه من إقرار بعدم دستورية عدد من المقتضيات، بل أيضًا بسبب السياق السياسي والتشريعي الذي صدر فيه، والذي لعبت فيه المعارضة البرلمانية دورًا محوريًا في تفعيل الرقابة الدستورية.
فالقرار لم يكن معزولًا عن المبادرة التي أقدمت عليها مكونات المعارضة داخل مجلس النواب، حين جمعت توقيع 96 نائبًا برلمانيًا وأحالت القانون، قبل صدور الأمر بتنفيذه، على المحكمة الدستورية، استنادًا إلى الفصل 132 من الدستور. وهي خطوة تؤشر على انتقال المعارضة من موقع الاحتجاج السياسي إلى ممارسة فعلية لأدوارها الدستورية في حماية التوازن المؤسساتي والحقوق المهنية.
انتصار للرقابة الدستورية الفعّالة
يُحسب للمحكمة الدستورية أنها لم تكتفِ بفحص المواد المثارة من طرف الجهة المحيلة، بل مارست رقابة شاملة، وأثارت تلقائيًا مقتضيات أخرى تبين لها أنها تمس بجوهر المبادئ الدستورية، خاصة ما يتعلق بالتوازن والتمثيلية والحياد والانسجام التشريعي. وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لدور المحكمة كحارس فعلي للدستور، لا كمجرد هيئة فصل شكلي.
تكريس مبدأ التوازن داخل التنظيم الذاتي
أكدت المحكمة، من خلال تعليلها، أن التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، كما ينص عليه الفصل 28 من الدستور، لا يمكن أن يقوم على اختلال في تركيبة هيئاته أو على منطق الغلبة العددية والاقتصادية. فتصريحها بعدم دستورية بعض المقتضيات التي رجّحت كفة فئة مهنية على أخرى داخل المجلس الوطني للصحافة، يكرس التوازن باعتباره شرطًا جوهريًا لأي تنظيم ذاتي ديمقراطي.
وهو ما ينسجم مع جوهر الاعتراضات التي أثارتها المعارضة البرلمانية، والتي اعتبرت أن القانون في صيغته المصادق عليها يُفرغ التنظيم الذاتي من استقلاليته، ويُخضعه لمنطق النفوذ بدل منطق التمثيلية المتوازنة.
حماية مبدأ الحياد وضمانات المحاكمة العادلة
من أبرز نقاط قوة القرار، تشديد المحكمة على مبدأ الحياد داخل الهيئات التأديبية، ورفضها الجمع بين من يتخذ القرار ابتدائيًا ومن يبتّ فيه استئنافيًا، معتبرة ذلك مساسًا بضمانات المحاكمة العادلة. وهو تأكيد على أن الحقوق الدستورية لا تتوقف عند حدود القضاء، بل تمتد إلى كل آلية مهنية ذات طابع تأديبي.
احترام السلطة التقديرية للمشرّع
ورغم حزمها، حافظت المحكمة على توازن دقيق في علاقتها بالمشرّع، إذ اعترفت له بهامش واسع من السلطة التقديرية في اختيار صيغ تنظيم المجلس (انتخاب، انتداب، تعيين)، ورفضت إسقاط مقتضيات لمجرد الجدل السياسي حولها، ما دام ذلك لا يمس بجوهر المبادئ الدستورية. وهو ما يعكس نضجًا في الفقه الدستوري القائم على عدم الحلول محل السلطة التشريعية.
معارضة فعّالة داخل منطق المؤسسات
سياسيًا، يُبرز هذا الملف أن المعارضة البرلمانية، رغم محدودية وزنها العددي، تظل قادرة على التأثير متى أحسنت استعمال الآليات الدستورية المتاحة لها. فقرار المحكمة الدستورية منح، في جوهره، مشروعية دستورية لعدد من التحفظات التي أثارتها المعارضة، وأثبت أن الرقابة الدستورية يمكن أن تشكل امتدادًا فعليًا للنقاش البرلماني حين تُغلق أبواب التوافق داخل المؤسسة التشريعية.
خلاصة
قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المجلس الوطني للصحافة لا يمكن اختزاله في كونه إبطالًا لمواد بعينها، بل هو تصحيح لمسار تشريعي اختل فيه ميزان التوازن، وجاء ثمرة يقظة برلمانية ومعارضة فاعلة، وقضاء دستوري مارس صلاحياته باستقلالية وجرأة. وهو درس مؤسساتي بالغ الدلالة، يؤكد أن الديمقراطية المهنية لا تُحمى بالشعارات، بل بتكامل الأدوار بين معارضة مسؤولة وقضاء دستوري قوي.




