الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحكمة الدستورية توقف قطار قانون المحاماة: «ورّيوْنا النص اللي بغيتونا نحكمو عليه!»

ضربة قلم

ليس كل يوم، تصل فيه معركة قانونية إلى أبواب المحكمة الدستورية، ثم تتوقف قبل أن تبدأ.

وليس كل يوم، يكون القانون محل الجدل، قد قطع أشواطاً طويلة داخل المؤسسة التشريعية، وعبر مجلسي البرلمان، وخضع للقراءة الأولى والثانية، ثم يصل إلى المحكمة الدستورية… قبل أن تقول هذه الأخيرة، بكل هدوء وثقل القضاء:

«تعذر البت.»

لكن الأهم من العبارة نفسها هو السبب.

فالمحكمة الدستورية، لم تقل إن قانون تنظيم مهنة المحاماة دستوري.

ولم تقل إنه غير دستوري.

ولم تدخل أصلاً إلى مناقشة المقتضيات التي أثارت الجدل بين المحامين والسلطات العمومية.

لقد توقفت عند الباب.

والسبب؟

النص الذي كان يفترض أن يكون أمامها لكي تمارس رقابتها الدستورية، لم يُحَل إليها وفق الشروط والإجراءات القانونية المطلوبة.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

المحكمة لم تحكم على القانون… بل حكمت على الإحالة

من السهل أن يقرأ المواطن العنوان، ويستنتج أن المحكمة الدستورية «رفضت» قانون المحاماة.

لكن هذا غير صحيح.

ومن السهل أيضاً، أن يذهب الطرف الآخر إلى القول إن المحكمة «لم تجد فيه أي عيب دستوري».

وهذا أيضاً غير صحيح.

المحكمة لم تصل إلى هذه المرحلة أصلاً.

هي لم تقل:

هذه المادة مخالفة للدستور.

ولم تقل:

هذه المادة مطابقة للدستور.

بل قالت، في جوهر قرارها:

لا أستطيع أن أمارس الرقابة على نص، لم يُعرض عليّ بالطريقة التي يفرضها القانون.

وهنا يكمن الفرق بين الحكم في الموضوع وتعذر البت بسبب خلل في الإحالة.

فالقرار لا يمنح شهادة دستورية للقانون، ولا يسقط عنه الدستورية.

إنه ببساطة يقول إن المحكمة، لم تتوفر أمامها الشروط الواقعية والقانونية التي تسمح لها بالانتقال إلى مضمون النص.

«التلازم العضوي»… عبارة صغيرة تخفي وراءها الكثير

من أهم العبارات التي وردت في تعليل المحكمة، حديثها عن وجود «تلازم عضوي» بين فعل الإحالة والنص موضوع المراقبة.

وماذا يعني ذلك؟

يعني ببساطة أن المحكمة يجب أن تعرف بدقة:

ما هو النص الذي أحيل إليها؟

ليس مشروع القانون.

ليس تقرير اللجنة.

ليس محضر المناقشة.

ليس النسخة التي وافق عليها مجلس النواب في مرحلة سابقة.

بل النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين، والذي يُطلب من المحكمة أن تتحقق من مطابقته للدستور.

وهذا منطقي جداً.

فالقاضي، لا يستطيع أن يحكم على شيء غير موجود أمامه.

والمحكمة الدستورية، ليست مطالبة بأن تخمّن ما كانت تقصده الجهة المحيلة.

ولا يمكنها أن تقول:

«التقرير يتضمن نسخة قريبة من النص، إذن سنعتبرها هي النص النهائي».

لأن كلمة واحدة، قد تغير معنى مادة كاملة.

وعبارة إضافية قد توسع اختصاصاً.

وحذف جملة قد يلغي قيداً.

وتغيير ترتيب فقرة قد يؤثر في التأويل.

ولهذا، فإن النص النهائي ليس مجرد ورقة إدارية.

إنه محل الرقابة نفسها.

هنا وقع الخلل

بحسب تعليل المحكمة، فإن رسالة الإحالة التي وجهها رئيس مجلس النواب، أرفقت بنسخة من تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، يتضمن مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية.

لكنها لم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية.

وهنا قالت المحكمة كلمتها.

فهي لا تراقب تقارير اللجان الدائمة.

ولا تراقب مشاريع القوانين في مراحلها التحضيرية.

ولا تبسط رقابتها على الوثائق التي سبقت الموافقة النهائية.

إنما تنصب رقابتها على القوانين بعد تمام الموافقة عليها وإحالتها إليها وفق المسطرة المحددة.

وبالتالي، لم يكن بإمكان المحكمة أن تقول:

«لا بأس، سنأخذ تقرير اللجنة ونعتبره هو القانون».

لأن ذلك يعني أن المحكمة، ستعيد بنفسها بناء الملف التشريعي.

وهذا ليس من اختصاصها.

ولكن… انتبهوا إلى هذه النقطة!

وهنا لا بد من التوقف عند مسألة دقيقة جداً، حتى لا يقع القارئ في استنتاج خاطئ.

قرار المحكمة، لا يعني أن النص النهائي للقانون رقم 66.23 غير موجود داخل مجلس المستشارين.

ولا يعني أن مجلس المستشارين، لم يوافق عليه.

بل إن المسار التشريعي الرسمي يوثق موافقة المجلس على المشروع في القراءة الثانية.

إذن، أين المشكلة؟

المشكلة ليست في وجود النص داخل المؤسسة التشريعية.

المشكلة في أن النص الذي يفترض أن يكون أمام المحكمة الدستورية، لم يُرفق بملف الإحالة بالصورة القانونية المطلوبة.

وهذا فرق جوهري.

هناك فرق بين أن يكون القانون موجوداً في أرشيف البرلمان، وبين أن تصل النسخة المطابقة لأصل النص الذي تمت المصادقة عليه إلى المحكمة باعتبارها محل الرقابة.

المحكمة لا تستطيع أن تستبدل الوثيقة المحالة إليها بوثيقة أخرى موجودة في مكان آخر.

ولا تستطيع أن تبحث بنفسها في أرشيف البرلمان لتقول:

«ها هو النص… سنفحصه!»

المحكمة الدستورية قضاء دستوري، وليست مصلحة للأرشيف، تبحث عن النسخة المفقودة!

ومن هنا يصبح قرارها مفهوماً:

النص موجود في المسار التشريعي، لكن المحكمة لم تتوصل إليه ضمن الإحالة بالشكل الذي يمكنها قانوناً من مراقبته.

وهذه، في رأينا، واحدة من أهم النقاط التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل السياسي والمهني.

والمفارقة أن القانون لم يكن في بدايته!

الأكثر إثارة في القضية، أن مشروع القانون رقم 66.23، لم يكن مجرد مشروع في أول الطريق.

لقد مر بمراحل طويلة.

دخل المؤسسة التشريعية.

نوقش.

عُدّل.

عبر مجلس النواب.

وصل إلى مجلس المستشارين.

خضع للقراءة الأولى.

ثم عاد في إطار القراءة الثانية.

ثم تمت المصادقة عليه.

وبعد كل هذا المسار، وصل الملف إلى المحكمة الدستورية.

أي أننا نتحدث عن قطار تشريعي، قطع مسافة طويلة جداً…

ثم عندما وصل إلى المحطة الأخيرة، اكتشفنا أن التذكرة التي كان يفترض، أن تسمح له بالدخول إلى رصيف المحكمة ليست هي الوثيقة المطلوبة!

وهنا، بطبيعة الحال، يحق للرأي العام أن يسأل:

كيف يمكن لمسار تشريعي بهذا التعقيد، أن يصل إلى مرحلة الرقابة الدستورية، ثم يقع الإشكال في الوثيقة الأساسية التي يفترض أن تكون بين يدي المحكمة؟

هذا سؤال مؤسساتي مشروع.

ولا يعني بالضرورة اتهام جهة بعينها.

لكنه يستحق جواباً واضحاً.

هل انتصر المحامون؟

هنا أيضاً يجب أن نكون دقيقين.

من الخطأ القول إن المحامين «انتصروا»، لأن المحكمة، لم توافق على القانون.

المحكمة، لم تقل ذلك.

ومن الخطأ أيضاً القول، إن الحكومة «انتصرت» لأن المحكمة، لم تجد القانون مخالفاً للدستور.

المحكمة لم تقل ذلك أيضاً.

المعركة الدستورية الحقيقية، لم تبدأ أصلاً.

فالمواد التي كان من الممكن، أن تكون محل نقاش دستوري، بقيت خارج الحكم.

أسئلة استقلال مهنة المحاماة، بقيت مطروحة.

أسئلة حقوق الدفاع بقيت مطروحة.

أسئلة العلاقة بين المحامي والقضاء بقيت مطروحة.

أسئلة التأديب والمراقبة والتنظيم بقيت مطروحة.

وكل الأسئلة المرتبطة بمدى توافق بعض المقتضيات مع الدستور، لم تحصل بعد على جواب من المحكمة.

بمعنى آخر:

الملف لم يُحسم… بل عاد إلى نقطة الصفر الإجرائية.

لماذا لا تستطيع المحكمة أن «تتجاوز» الخطأ؟

قد يقول البعض:

«ولكن المحكمة تعرف القانون، وتستطيع الوصول إلى النسخة الصحيحة».

صحيح أن المحكمة، تملك خبرة قانونية كبيرة.

لكن القضية، ليست قضية معرفة.

القضية قضية اختصاص ومساطر.

لو سمحت المحكمة، لنفسها باستكمال الإحالة من تلقاء نفسها، فإنها ستفتح باباً خطيراً:

ماذا لو كان هناك اختلاف بين النصين؟

ماذا لو أدخل مجلس المستشارين تعديلاً، لم يكن موجوداً في النسخة المرفقة؟

ماذا لو كان هناك، تغيير في مادة أو فقرة؟

ماذا لو كانت الجهة المحيلة تقصد نصاً مختلفاً؟

هنا ستصبح المحكمة، هي التي تحدد بنفسها موضوع الرقابة.

وهذا أمر لا يمكن أن يترك للتخمين.

لذلك كان موقفها منطقياً:

قبل أن أحكم على النص، يجب أن يكون النص أمامي.

المحكمة لم «تهرب» من الملف

قد يحاول البعض قراءة القرار سياسياً.

قد يقول:

«المحكمة وجدت نفسها، أمام ملف حساس، فاختارت عدم الدخول إليه».

لكن هذا النوع من القراءة، لا تدعمه حيثيات القرار التي ركزت على شروط الإحالة.

المحكمة لم تقل:

«القانون حساس».

ولم تقل:

«هناك خلاف سياسي».

ولم تقل:

«الموضوع معقد».

بل تحدثت عن أمر قانوني محدد:

عدم إحالة النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين إليها، وفق الشروط والإجراءات المطلوبة.

وهذا يعني أن المحكمة، لم تكن أمام خيارين:

إما أن تحكم لصالح الحكومة، أو لصالح المحامين.

كانت أمام سؤال أولي:

هل أملك أصلاً النص الذي يسمح لي بممارسة الرقابة عليه؟

وكان جوابها:

لا، ليس بالشكل المطلوب.

وهذا يكشف شيئاً مهماً عن القضاء الدستوري

في النقاش العام، نتصور أحياناً أن القضاء الدستوري، يهتم فقط بمضمون القوانين.

لكن الواقع أن المسطرة نفسها جزء من دولة القانون.

القانون، لا يولد بمجرد إعلان سياسي.

ولا يصبح ملزماً، لأن مسؤولاً ،قال إنه تمت المصادقة عليه.

ولا يصبح محلاً للرقابة الدستورية، بمجرد إرسال رسالة تحمل عنوانه.

هناك مراحل دقيقة.

هناك جهات مختصة.

هناك آجال.

هناك وثائق.

هناك صيغ نهائية.

وهناك تطابق يجب أن يكون قائماً بين النص الذي تمت المصادقة عليه، والنص الذي يُطلب من المحكمة مراقبته.

ولهذا، فإن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في نظر المواطن تصبح كبيرة جداً أمام القضاء الدستوري.

المحكمة سبق أن تعاملت مع المسار التشريعي بهذه الصرامة

وهذه ليست المرة الأولى، التي تظهر فيها المحكمة الدستورية أهمية المسطرة التشريعية.

ففي اجتهادات سابقة، ومنها قرارات مرتبطة بقوانين تنظيمية ومؤسساتية، ناقشت المحكمة مراحل تداول النصوص بين مجلسي البرلمان، والقراءة الثانية، والتعديلات التي أدخلها أحد المجلسين، ومدى احترام القواعد الدستورية المنظمة للتشريع.

وهذا يؤكد أن المحكمة لا تنظر إلى القانون باعتباره، مجرد نص جاهز، بل تتحقق أيضاً من الطريق الذي سلكه، حتى أصبح قانوناً.

وهنا تظهر أهمية القرار الحالي.

فإذا كانت المحكمة تدقق في المسار الذي أنتج القانون، فمن الطبيعي أن تدقق أيضاً في الوثيقة التي وصلت إليها باعتبارها القانون موضوع الرقابة.

السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه

بعد كل هذا، يبقى السؤال:

من يتحمل مسؤولية سلامة الإحالة؟

المواطن العادي، لا يعرف التفاصيل التقنية لهذه الملفات.

وهو معذور.

لأنه يسمع أن:

«البرلمان صادق».

ثم يسمع:

«القانون أحيل إلى المحكمة».

ثم يسمع:

«المحكمة تعذر عليها البت».

فيقول ببساطة:

كيف؟

هل القانون موجود، أم غير موجود؟

هل تمت المصادقة، أم لم تتم؟

هل المحكمة توصلت به، أم لم تتوصل؟

والجواب الذي يخرج من القرار، أكثر دقة:

القانون تمت المصادقة عليه، لكن النص الذي يفترض أن يكون موضوع الرقابة، لم يُرفق بالإحالة بالشكل الذي يمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها.

وهنا تقع المسؤولية المؤسساتية.

ليس بالضرورة مسؤولية شخص بعينه.

لكن مسؤولية المسطرة التي يجب أن تكون محكمة ودقيقة من أول خطوة إلى آخر خطوة.

لأن «نسخة» واحدة قد تغير مسار قانون بأكمله

قد يبدو الأمر مضحكاً للوهلة الأولى.

قانون كامل.

جلسات.

مناقشات.

مئات التعديلات.

مجلس النواب.

مجلس المستشارين.

قراءة أولى.

قراءة ثانية.

ثم المحكمة الدستورية…

وفي النهاية:

«أين النص؟»

لكن خلف هذه المفارقة، شيء خطير جداً.

القانون ليس عنواناً.

القانون نص.

والنص ليس مجرد فكرة.

النص كلمات.

والكلمات لها آثار.

وتغيير كلمة واحدة، يمكن أن يغير حقاً أو التزاماً أو اختصاصاً أو عقوبة أو ضمانة.

ولهذا، فإن المحكمة لا تستطيع أن تعمل بمنطق:

«كلهم فاهمين المقصود!»

القضاء، لا يعمل بالمقصود.

القضاء، يعمل بما هو ثابت في الملف.

هل يعني هذا أن قانون المحاماة انتهى؟

لا.

وهذه نقطة أخرى، يجب التأكيد عليها.

قرار «تعذر البت»، لا يعني أن المحكمة أسقطت القانون.

ولا يعني أنها، أعلنت عدم دستوريته.

ولا يعني أنها، أعلنت مطابقته للدستور.

كما أنه لا يحسم الخلاف السياسي والمهني، الذي رافق النص.

إنه يعني أساساً أن المحكمة، لم تتمكن من ممارسة الرقابة الدستورية على الإحالة بصيغتها المعروضة عليها.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي الآن هو:

ما الخطوة المؤسساتية التالية؟

هل ستُعاد الإحالة وفق الشروط القانونية؟

هل سيُستكمل الملف بالوثيقة الصحيحة؟

هل سيُعاد عرض النص على المحكمة بالطريقة، التي تسمح لها بالنظر في دستوريته؟

هذه هي الأسئلة، التي ستحدد ما سيأتي بعد ذلك.

والمثير أن كل الأطراف كانت تنتظر جواب المحكمة

المحامون كانوا ينتظرون.

الحكومة، كانت تنتظر.

البرلمان، كان ينتظر.

والرأي العام، كان ينتظر.

لكن المحكمة، قالت للجميع، بطريقة قانونية باردة:

«قبل أن تسألوني هل القانون دستوري أم لا، تأكدوا أولاً أن القانون الذي تريدون مني أن أفحصه موجود أمامي بالشكل القانوني الصحيح.»

وهذه الرسالة، مهما كانت بسيطة في ظاهرها، تحمل درساً كبيراً:

المؤسسات لا تعمل بالنوايا، وإنما بالاختصاص والمساطر والوثائق.

وهنا المفارقة التي تستحق أن تُكتب

القانون الذي أثار كل هذا الجدل، حول مهنة المحاماة، لم يسقط بسبب مادة دستورية.

ولم يُقبل بسبب مادة دستورية.

ولم ترفضه المحكمة.

ولم تؤيده.

بل تعثر، مؤقتاً، عند باب المسطرة.

وكأن القانون ،قطع كل هذه المسافة:

البرلمان – المناقشة – التعديل – التصويت – القراءة الثانية – الإحالة – المحكمة…

ثم قالت له المحكمة:

«سمح ليا… الوثيقة ماشي هي هادي!»

وهنا لا بد من القول إن السخرية في هذه الحالة، ليست من المحكمة.

بل من المفارقة المؤسساتية نفسها.

لأن دولة القانون، لا يمكن أن تكون دولة:

«المهم النية موجودة، والوثيقة نلقاوها من بعد».

القانون، يحتاج إلى الدقة.

والدستور، يحتاج إلى الدقة.

والإحالة إلى المحكمة الدستورية، تحتاج إلى الدقة أكثر.

في النهاية… الكرة عادت إلى ملعب المؤسسات

قرار المحكمة الدستورية، لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة جديدة لتبادل الاتهامات.

المطلوب الآن هو الوضوح.

أن يعرف المواطن، ماذا حدث.

وأن يعرف، من هي الجهة المكلفة بالإحالة.

وأن يعرف، كيف وقع الخلل.

وأن يعرف، ما هي الخطوة التالية.

لأن القضية، لا تتعلق فقط بالمحامين.

إنها تتعلق بمبدأ أكبر:

كيف تُصنع القوانين في المغرب؟

وكيف تتم مراقبتها؟

ومن يتحمل مسؤولية سلامة المسطرة؟

وكيف نضمن أن النص الذي ناقشه البرلمان، هو نفسه النص الذي يصل إلى القضاء الدستوري، ثم هو نفسه النص الذي يصل إلى الجريدة الرسمية، ثم هو نفسه النص الذي يجد المواطن نفسه، ملزماً باحترامه؟

هذه ليست أسئلة تقنية.

هذه أسئلة مرتبطة مباشرة بـالأمن القانوني والثقة في المؤسسات.

فالمواطن، لا يريد فقط قوانين كثيرة.

يريد قوانين واضحة.

ولا يريد فقط، مؤسسات قوية.

يريد مؤسسات دقيقة.

ولا يريد فقط، رقابة دستورية.

يريد أن تصل المحكمة الدستورية، إلى النص الذي يفترض أن تراقبه.

والخلاصة

قرار المحكمة الدستورية، بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ليس حكماً على دستورية القانون، وإنما قرار بعدم إمكانية البت في الإحالة بصيغتها المعروضة، بسبب عدم تقديم النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين وفق الشروط والإجراءات المطلوبة.

المحكمة لم تنحز إلى المحامين.

ولم تنحز إلى الحكومة.

ولم تنحز إلى البرلمان.

انحازت إلى المسطرة.

وهذا، في حد ذاته، درس مهم.

فالعدالة الدستورية، لا يمكن أن تقوم على التخمين.

والقانون، لا يمكن أن يكون نصاً تقريبياً.

والإحالة إلى المحكمة الدستورية، لا يمكن أن تكون:

«صيفطنا ليكم شي نسخة… والباقي الله يسهل!»

بل يجب أن يكون هناك نص محدد، نهائي، مطابق لما تمت المصادقة عليه، ومعروض على المحكمة بالطريقة التي يحددها الدستور والقانون.

ولهذا فإن السؤال الذي يبقى معلقاً، أمام المؤسسة التشريعية ليس:

هل القانون دستوري أم غير دستوري؟

بل سؤال أبسط وأعمق:

كيف وصل قانون قطع كل هذا المسار التشريعي إلى المحكمة الدستورية… ولم تصل معه النسخة التي يفترض أن تحكم عليها المحكمة؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً.

لأن المواطن، عندما يُطلب منه احترام القانون، فمن حقه أيضاً، أن يطمئن إلى أن القانون نفسه مرّ عبر المسطرة التي تحترم القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.