الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

المحمدية.. أين اختفت الغيرة على مدينة كانت تجمع أبناءها؟

ضربة قلم

كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية، عادت الوجوه نفسها إلى الواجهة، وامتلأت الساحات واللقاءات والخطابات بالكلام المعسول والوعود الكبيرة والشعارات البراقة. فجأة يصبح الجميع عاشقاً للمحمدية، ويتحدث باسم ساكنتها، ويتنافس على إقناعها بأنه الأجدر بتمثيلها والدفاع عن مصالحها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يحمل هؤلاء فعلاً ذرة غيرة على هذه المدينة، التي تتراجع سنة بعد أخرى، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون موسماً انتخابياً جديداً، تنبعث فيه الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية؟

المحمدية ليست مجرد دائرة انتخابية، تُحتسب فيها الأصوات وتُوزع فيها المقاعد. إنها مدينة لها تاريخ وذاكرة وهوية. مدينة كانت إلى وقت قريب مضرب المثل في النظافة والتنظيم وجمال الفضاءات العمومية. مدينة كانت تُعرف بعاصمة الزهور، وكانت تستقطب الزوار من مختلف المناطق، لما كانت تتمتع به من جاذبية خاصة، جعلتها واحدة من أجمل مدن المملكة.

لكن من يتجول اليوم في عدد من أحيائها، أو يتابع النقاشات اليومية بين سكانها، يكتشف حجم الحسرة التي أصبحت تسكن الكثير من أبناء المدينة. طرق تحتاج إلى التأهيل، فضاءات عمومية فقدت بريقها، اختناقات ومشاكل متراكمة، ومشاريع ينتظر المواطن أن يرى أثرها الحقيقي على حياته اليومية. والأخطر من كل ذلك هو الشعور المتنامي لدى فئات واسعة من السكان بأن المدينة، لم تحتفظ بمعمارها الجميل، ولم تعد تحظى بنفس القدر من الاهتمام الذي تستحقه.

ومن حق المواطنين أن يتساءلوا: أين كانت هذه الحماسة التي نراها اليوم عند بعض المرشحين المحتملين؟ وأين كانت هذه الغيرة المعلنة على المحمدية خلال السنوات الماضية؟ ولماذا لا يظهر كثير من المتحمسين، إلا عندما تقترب المواعيد الانتخابية وتصبح الأصوات مطلوبة أكثر من أي وقت مضى؟

لقد عرفت المحمدية عبر تاريخها رجالات ونساء اختلف الناس حولهم في السياسة والانتماءات، لكنهم كانوا يجتمعون على شيء أساسي: حب المدينة والحرص على صورتها ومكانتها. كانت الغيرة على المحمدية قاسماً مشتركاً بين أبناء المدينة، وكانت المصلحة العامة تتقدم، في كثير من الأحيان، على الحسابات الفردية. أما اليوم، فيبدو أن هذه الروح، بدأت تتآكل تحت ضغط ممارسات، جعلت السياسة في نظر الكثيرين مجرد طريق نحو المواقع والمكاسب والنفوذ.

المؤلم أن المدينة أصبحت، في نظر بعض المتهافتين على المناصب، مجرد خزان انتخابي لا أكثر. لا يرون فيها تاريخاً ولا ذاكرة ولا مستقبلاً. لا ينظرون إليها باعتبارها فضاءً يستحق التضحية والعمل والتفاني، بل باعتبارها سلماً للصعود ومجالاً لعقد التحالفات وتبادل المصالح. وما إن تنتهي الانتخابات حتى يعود الصمت، وتختفي الوجوه، وتُطوى الوعود، إلى حين حلول موسم انتخابي جديد.

وإذا كانت المحمدية تعاني اليوم من اختلالات ومشاكل متعددة، فإن أخطر ما تعانيه ربما ليس الإسمنت المتشقق ولا الأرصفة المهترئة ولا الأوراش المتعثرة، بل ذلك التراجع المقلق في الإحساس الجماعي بالانتماء والمسؤولية تجاه المدينة. فالمدن لا تتراجع فقط، بسبب نقص الإمكانيات، بل تتراجع أيضاً عندما يقل عدد الغيورين عليها، ويكثر الذين يتعاملون معها كغنيمة أو فرصة عابرة أو فرصة أخيرة بالنسبة لمرتزق من فئة خمس نجوم.

لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة طرح سؤال الغيرة على المحمدية. ليس الغيرة التي تُرفع كشعار في التجمعات والخطابات، بل الغيرة التي تظهر في الممارسة اليومية، وفي الدفاع عن مصالح السكان، وفي الجرأة على قول الحقيقة، وفي تقديم المدينة على الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة.

ولعل من حق أبناء المحمدية اليوم أن يوجهوا سؤالاً بسيطاً لكل من يستعد لخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة: ماذا قدمتم لهذه المدينة قبل أن تطلبوا أصواتها؟ وأين كنتم عندما كانت تتراكم المشاكل وتتزايد شكاوى المواطنين؟ وهل جئتم لخدمة المحمدية أم لخدمة مشاريعكم الخاصة أو مستقبلكم؟

أسئلة قد تبدو قاسية، لكنها مشروعة. فالمحمدية تستحق أكثر من الشعارات، وأكثر من الصور واللافتات، وأكثر من الوعود الموسمية. إنها تستحق رجالاً ونساءً يحملون في قلوبهم غيرة حقيقية على مدينة أعطت الكثير لأبنائها، لكنها أصبحت اليوم في حاجة إلى من يرد لها بعضاً من الجميل.

ويبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل ما زالت المحمدية قادرة على إنجاب الغيورين الحقيقيين الذين يضعون مصلحتها فوق كل اعتبار، أم أن المدينة ابتليت، في زمن السياسة الموسمية، بنماذج لا ترى فيها، سوى صندوق اقتراع وممراً نحو المصالح والمكاسب؟ ذلك هو السؤال الذي ينتظر سكان مدينة الزهور جواباً عنه، ليس بالكلمات، وإنما بالأفعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.