المحمدية: أين الأمن يا حماة الأمن؟

مواطن فقد الأمل في الرقم 19
ليست هذه المرة الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، التي نجد فيها أنفسنا مضطرين إلى الاتصال بالرقم 19، من أجل طلب تدخل أمني في مسألة، لا علاقة لها بالمبالغة، ولا بالبحث عن المشاكل، ولا برغبة أحد في تحويل الحي، إلى ثكنة عسكرية.
الأمر أبسط من ذلك بكثير: هناك مواطن يريد أن يعيش في بيته بهدوء، وأن يستمتع بما تبقى له من حق في الراحة، وأن ينام المريض دون أن يستيقظ على صراخ الأطفال، وأن يجد المسن فرصة للجلوس، دون أن يتحول الزقاق المجاور إلى ملعب مفتوح لكرة القدم.
فالحرية، كما تعلمنا منذ الصغر، ليست أن يفعل كل واحد ما يحلو له، متى شاء وأين شاء، وإنما أن تتوقف حريتك، عند النقطة التي تبدأ فيها حرية الآخرين.
لكن يبدو أن بعض آباء المنحرفين الصغار لديهم تعريف آخر للحرية.
عند هؤلاء، الزقاق ملعب.
والرصيف مدرج.
والسيارات مرمى.
وأبواب الجيران، حواجز دفاعية.
ونوافذ البيوت جمهور!
أما السكان، فليست لهم إلا مهمة واحدة: التحمل والصبر والدعاء، بأن تنتهي المباراة قبل منتصف الليل!
والأدهى أن بعض هؤلاء الأطفال، لا يلعبون كرة القدم فقط، بل يلعبونها، وكأنهم في نهائي كأس العالم، وسط الصراخ والركل والركض وضرب الكرة بالأبواب والجدران، وكأن الحي، حصل فجأة على رخصة لتنظيم بطولة دولية.
ولا أحد يعترض على لعب الأطفال.
فالطفل يحتاج إلى اللعب، والرياضة مفيدة، والحركة أفضل من الجلوس أمام الهاتف طوال اليوم.
لكن السؤال الذي يبدو أن البعض، يرفض طرحه هو:
هل اللعب يعني أن يتحول حق الجار في الراحة إلى مجرد تفصيل غير مهم؟
هل لأن الطفل يريد اللعب، يجب أن يفتح الجار نافذته، ليسمع التعليق الرياضي المجاني؟
هل لأن الأب يعتبر الأمر “لعب الدراري”، يجب على المريض أن يعتبر الضجيج علاجاً طبيعياً؟
وهل لأن صاحب المنزل، لا يريد الدخول في مشادات مع الجيران، يصبح مطلوباً منه، أن يتحول إلى مواطن بلا أعصاب؟
هنا تحديداً، يأتي دور الشرطة.
ولذلك اتصلنا بالرقم 19.
ليس لأننا نريد اعتقال أطفال يلعبون الكرة، ولا لأننا نريد تحويل مباراة في الزنقة إلى ملف جنائي من الوزن الثقيل، وإنما لأننا نريد ببساطة، أن يفهم الجميع أن الحي ليس ملكاً خاصاً لأحد.
لكن المفاجأة، لم تكن في الأطفال.
المفاجأة كانت في الهاتف!
نتصل…
ننتظر…
نعاود الاتصال…
ثم ننتظر من جديد.
والرقم الذي يفترض أن يكون من أسرع الأرقام استجابة، في الحالات التي تستدعي التدخل، قرر أن يدخل معنا في لعبة أخرى:
لعبة الانتظار.
وفي المرة الأخيرة، يبدو أن الهاتف، قرر أن يرتقي بمستوى التجربة، فبدلاً من أن يجيبنا أحد، اشتغلت العلبة الصوتية.
أما المفارقة الحقيقية، فتبدأ مع ذلك الصوت الآلي الذي يستقبلك عند الاتصال بالرقم 19، وهو صوت تابع للأمن الوطني فعلاً، ويحرص قبل أي شيء على تحذيرك من مغبة إجراء مكالمة غير جدية، وكأن المواطن، قبل أن يطلب التدخل الأمني،، مطالب أولاً بأن يثبت أنه يستحق الرد!
فتستمر الرسالة في الكلام، وأنت تستمر في الانتظار، والمباراة مستمرة في الزنقة، والكرة مستمرة في الارتطام بالأبواب، والأطفال مستمرون في الصراخ، والمريض مستمر في البحث عن النوم…
أما رجل الأمن الذي يفترض أن يسمعك، فغائب عن المشهد!
وهنا، بصراحة، يبدأ المواطن في طرح أسئلة، لا يريد أحد سماعها.
إذا كان المواطن لا يستطيع الوصول إلى الأمن عندما يحتاج إليه، فما معنى الرقم 19؟
هل هو رقم للزينة؟
هل هو مجرد رقم محفوظ في الهواتف، لكي نشعر بالأمان النفسي؟
هل المطلوب من المواطن أن يتصل بالرقم 19، ثم يجلس إلى جانب الهاتف، ويبدأ في ممارسة التأمل إلى أن يقرر أحدهم الإجابة؟
المشكلة، ليست في مكالمة واحدة لم يُرد عليها.
فكل جهاز يمكن أن يعرف ضغطاً في الاتصالات، وكل مركز، يمكن أن تكون لديه ظروفه، وكل رجل أمن، يمكن أن يكون منشغلاً بتدخل أكثر استعجالاً.
وهذا مفهوم.
لكن عندما يصبح عدم الرد متكرراً، وعندما يتصل المواطن أكثر من مرة، ولا يجد من يجيبه، فإن الأمر يتحول من مجرد سوء حظ إلى سؤال مشروع حول فعالية الخدمة.
لأن الأمن، ليس فقط دوريات في الشوارع، ولا سيارات تحمل الأضواء، ولا عناصر يقفون في نقط المراقبة.
الأمن أيضاً هو الهاتف الذي يجيب عندما يطلب المواطن النجدة أو التدخل.
والغريب أن المواطن، يُطلب منه دائماً أن يكون مسؤولاً.
لا يزعج جاره.
لا يعتدي.
لا يفتعل المشاكل.
لا يرفع صوته.
لا يأخذ حقه بيده.
وهذا كله صحيح.
لكن ماذا يفعل المواطن، عندما يحترم القانون، ثم يجد أن القانون نفسه، لا يجيبه عندما يحتاج إليه؟
هل عليه أن يخرج إلى الزنقة، ويشرح للأطفال مبادئ السلم الاجتماعي وقانون الحريات العامة؟
هل عليه أن يجمع آباءهم ويقدم لهم عرضاً بعنوان:
“كيف نحافظ على حرمة الجار أثناء ممارسة كرة القدم؟”
أم هل عليه أن يحمل صافرة، ويصبح حكماً في المباراة، ثم يعلن نهاية الشوط الأول، بسبب تجاوز الضجيج الحد المسموح به؟
بل ربما علينا مستقبلاً أن نضع في كل حي حكماً للضجيج!
وحارساً للمرمى!
ومراقباً للحي!
ومفتشاً على الآباء!
ثم نرتاح من الشرطة، لأن المواطنين، سيتكلفون بكل شيء بأنفسهم!
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إزعاجاً.
الشرطة ليست في خدمة المواطن فقط عندما يكون المواطن قد تعرض لجريمة كبيرة.
المواطن الذي يطلب تدخلاً بسبب إزعاج مستمر، ليس مواطناً من الدرجة الثانية.
والمسن الذي يريد النوم، ليس أقل أهمية من غيره.
والمريض الذي يحتاج إلى الهدوء ليس مطالباً بتحمل “مواهب” لاعبي الزنقة.
والأسرة التي تريد أن تعيش بسلام، ليست ضد الأطفال ولا ضد الرياضة.
هي فقط تريد أن يكون هناك حد فاصل بين اللعب والفوضى.
والدولة التي تحترم مواطنيها، لا تنتظر دائماً وقوع الكارثة حتى تتدخل.
بل تتدخل أحياناً لمنع المشكلة قبل أن تتطور.
لأن المشكل الذي يبدأ بكرة، قد ينتهي بخصام بين جارين.
والخصام قد يتحول، إلى سب وشتم.
والسب، قد يتحول إلى عراك.
وبعدها يأتي الجميع يسأل:
كيف بدأت المشكلة؟
بدأت بكرة!
وبكرة صغيرة لا تتجاوز بضع مئات من الغرامات، لكنها تستطيع أحياناً أن تدحرج معها احترام الجيرة، وراحة السكان إلى أماكن بعيدة جداً.
ولذلك، عندما يتصل المواطن بالرقم 19، فهو لا يطلب معجزة.
لا يطلب فرقة خاصة.
لا يطلب طائرة مروحية.
لا يطلب حتى اعتقال الأطفال!
إنه يطلب فقط أن يأتي أحد، ويتحدث مع أولياء الأمور، ويشرح لهم أن الشارع ليس ملعباً خاصاً، وأن الجار له حق كما لأبنائهم حق.
وهذا بالضبط هو معنى الأمن الوقائي.
أن تتدخل قبل أن يتحول الإزعاج إلى خصومة، وقبل أن يتحول الخصام إلى اعتداء، وقبل أن يصبح الحي كله، في حاجة إلى رقم آخر غير 19!
أما أن يظل الهاتف يرن ولا أحد يجيب، ثم تأتي العلبة الصوتية، لتخبرك بنبرة رسمية، أن المكالمة يجب أن تكون جادة، فهنا لا يسع المواطن، إلا أن يسأل نفسه:
وماذا يمكن أن يكون أكثر جدية من أن المواطن يتصل بالشرطة ولا يجد من يرد عليه؟
هل كان علينا أن ننتظر وقوع جريمة، حتى تصبح المكالمة “جدية” بما يكفي؟
هل كان ينبغي أن يحدث شجار كبير في الزقاق، حتى يستحق الهاتف أن يُرفع؟
هل أصبح المواطن مطالباً، بأن يقدم رقماً قياسياً من المشاكل حتى يستحق الرد؟
في النهاية، وبعد تكرار الرسالة الصوتية، وجدت نفسي أمام خيار وحيد:
قطعت الاتصال.
ليس لأن المشكلة انتهت.
بل لأنني فهمت الرسالة بطريقة أخرى:
الأمن لا يجيب!
وهذه، في حد ذاتها، ليست جملة عابرة.
إنها جملة، ينبغي أن تثير الانتباه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برقم يفترض أن يكون المواطن قادراً، على الاعتماد عليه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى تدخل أمني.
ونحن لا نكتب هذا الكلام لمهاجمة رجال الأمن، ولا للتقليل من جهودهم، ولا لإنكار حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
بل بالعكس.
نحن نكتب، لأننا نريد للأمن أن يكون أكثر قرباً من المواطن، وأكثر سرعة في الاستجابة، وأكثر حضوراً في التفاصيل اليومية التي تصنع في النهاية شعور الناس بالأمان.
فالمواطن لا يحتاج، إلى أن يرى الشرطة فقط، عندما تقع الكارثة.
هو يحتاج أن يعرف أن هناك من سيرد عليه قبل وقوعها.
أما الرقم 19، فنتمنى فقط، ألا يتحول إلى رقم مثل بعض أرقام الإدارات التي نتصل بها، فنسمع الرنين طويلاً، ثم نكتشف أن أفضل حل هو أن نضع الهاتف جانباً، ونشرب كأساً من الشاي!
لأن المواطن في المحمدية، كما في أي مدينة أخرى، لا يريد المستحيل.
يريد فقط، أن يلعب الأطفال في مكان مناسب، وأن يحترم الآباء جيرانهم، وأن يجد المريض الهدوء، وأن ينام المسن، دون أن يسمع صافرة مباراة عند منتصف الليل، وأن يظل القانون حاضراً، قبل أن تضطر الناس إلى البحث عنه بأنفسهم.
وبالمناسبة، إذا كان الرقم 19 لا يجيب عندما نحتاج إليه، فربما آن الأوان، لمن يهمه الأمر أن يتصل به بنفسه… فقط ليتأكد إن كان لا يزال يعمل!



