
ضربة قلم
يتساءل الرأي العام المحلي في مدينة المحمدية، بمرارة متزايدة، عن حصيلة اتفاقيات الشراكة التي باتت تملأ محاضر الدورات الجماعية دون أن تملأ الشوارع ولا المرافق العمومية بنتائجها.
تساؤل مشروع، بل ملحّ، في ظل واقعٍ يوميٍّ يعيشه السكان عنوانه اختناق مروري، أحياء مهمشة، طرق مهترئة، إنارة غائبة، ومناطق خضراء في طور الاندثار.
فإذا كانت الشراكات الجماعية في الأصل تهدف إلى تبادل المنفعة والخبرة، فإن ما يجري في المحمدية يوحي بأننا أمام تبادل أوراق وتقاط صور تذكارية، أكثر مما هو تبادل حقيقي للمشاريع أو الأفكار.
اتفاقيات بالجملة… وحصيلة بالبؤس
منذ بداية الولاية الحالية، صادق المجلس الجماعي للمحمدية على عدد من اتفاقيات التعاون مع العديد من المؤسسات والمصالح الخارجية.
لكن المتتبعين يلاحظون أن أغلب هذه الاتفاقيات بقيت حبرًا على ورق، دون أي أثر ملموس على الحياة اليومية للسكان.
وآخرها ما أثار موجة من التساؤلات هو ما تضمنته النقطة الخامسة عشرة من دورة أكتوبر الأخيرة:
“الدراسة والمصادقة على مشروع اتفاقية إطار للتعاون والشراكة بين جماعة المحمدية وجماعة الصويرة من أجل تعزيز التعاون وتبادل الخبرات.”
تساؤلات مشروعة: لماذا الصويرة بالذات؟
من حق ساكنة المدينة أن تتساءل:
لماذا تم اختيار جماعة الصويرة بالذات؟
وما هي أوجه التشابه أو التكامل بين المدينتين لتبرير اتفاق كهذا؟
هل تتشابه المحمدية، المدينة الصناعية والجامعية ذات الكثافة السكانية العالية، مع الصويرة، المدينة الصغيرة ذات الطابع الفني والسياحي المحدود؟
الإشكال ليس في الصويرة كمدينة جميلة بتاريخها وروحها الفنية، بل في منطق التوجيه:
فهل نحتاج إلى مبرّر باسم الثقافة، ونحن نرى المحمدية تئن تحت وطأة مشاكل البنية التحتية، في وقتٍ يتطلع فيه سكانها إلى تنشيطٍ حقيقي يشمل النقل الحضري، محاربة الكلاب الضالة التي انتشرت في كل مكان، والتجهيز، وخلق وتنظيم أسواق القرب، وتدبير النفايات؟
تبادل الخبرات… أم تبادل المجاملات؟
العبارة التي تكررت في نص الاتفاقية المقترحة: “تعزيز التعاون وتبادل الخبرات”، تبدو فضفاضة إلى حد الغموض.
فما المقصود بالتبادل هنا؟
هل هو تبادل إداري بين الموظفين؟ أم تبادل في التجارب السياحية والثقافية؟ أم مجرد تقارب رمزي بين مدينتين لا يجمع بينهما إلا الانتماء إلى الخريطة الوطنية؟
في المدن التي تحترم ذكاء سكانها، تكون الشراكات وسيلة لإنجاز مشاريع مشتركة:
-
اتفاقيات بيئية لحماية الشواطئ.
-
شراكات جامعية لتطوير البحث العلمي.
-
برامج تكوين للشباب والنساء.
أما أن يوقّع المجلس على اتفاقيات لا يعرف أحد مضمونها ولا أهدافها، فذلك يدخل في خانة الضباب الإداري الذي يفتح الباب أمام التساؤلات، وربما حتى أمام سوء التأويل.
سكان المحمدية… الأولويات في واد والمجلس في واد آخر
سكان المحمدية لا يطالبون بالمستحيل:
هم يريدون مدينة نظيفة، منظمة، آمنة، بخدمات أساسية محترمة.
لكن ما يرونه هو مجالس مشغولة بمراسيم توقيع وصور تذكارية واتفاقيات لا تمس واقعهم.
في الوقت الذي يوقّع فيه المجلس على “تبادل الخبرات مع الصويرة”، هناك أحياء كـحي الراشدية، والحسنية، وغيرهما من الأحياء، تعيش على وقع مشاكل الماء والطرق والنقل، بل حتى الإنارة العمومية.
فهل سنحتاج إلى الصويرة لحلّ أزمة الحافلات، أم إلى مهرجان كناوة لمعالجة أزمة السير بشارع الحسن الثاني؟
المحمدية ليست بحاجة إلى مهرجانات، بل إلى إدارة فعالة
صحيح أن الصويرة مدينة ثقافية بامتياز، وتملك تجربة ناجحة في التنشيط السياحي والفني، لكن هل هذا ما تحتاجه المحمدية اليوم؟
هل الأولوية الآن هي في تبادل “اللمسة الفنية”، أم في تبادل طرق التدبير الحضري والحكامة الرشيدة؟
المدينة لم تعد تحتمل “التجميل اللفظي” و”الزينة الورقية”.
فحين تغرق الشوارع في النفايات، وحين تغلق مراحيض كورنيش المدينة، وحين تتآكل البنية التحتية، يصبح من العبث الحديث عن “تبادل الخبرات” دون تحديد ماهيتها.
أين المعارضة؟ وأين النقاش داخل المجلس؟
الملفت أن هذه النقطة مرت داخل دورة أكتوبر دون نقاش مستفيض أو معارضة قوية.
وهذا يطرح سؤالًا آخر حول مدى جدية العمل داخل المجلس الجماعي نفسه.
فهل نوقشت الاتفاقية من حيث الجدوى والمردودية؟
هل طُلب من اللجنة الثقافية أو الاقتصادية إعداد تقرير حول المكاسب المتوقعة؟
أم أن التصويت تم بروتوكوليًا في إطار “المحاباة والمجاملة السياسية المتبادلة”؟
هذا النوع من الغموض في القرارات يولّد إحساسًا عامًا بانفصال المجلس عن الشارع، ويعزز فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.
الدرس الذي لا يتعلمه أحد
المحمدية مدينة ظلت تُلقب يومًا بـ“مدينة الزهور” و“لؤلؤة الساحل الأطلسي”، لكنها اليوم تبدو في مفترق طرق بين طموحها التاريخي وواقعها الإداري المتعثر.
وكأنما تحولت المجالس إلى غرف توقيع على ورق لا يحمل أي أثر في الميدان.
وما لم يتغيّر منطق التدبير، وما لم تُربط الشراكات بالأهداف القابلة للقياس والتقييم، ستظل الاتفاقيات مجرد عناوين جميلة في محاضر المجالس، بلا حياة ولا فائدة.
الخلاصة:
المحمدية لا تحتاج إلى شراكات شكلية، بل إلى نظام محلي شفاف ومبدع يربط كل اتفاقية بمؤشرات واضحة للمردودية.
أما اختيار الصويرة “لتبادل الخبرات”، فقد يكون جميلاً من حيث النية، لكنه يظل غامضًا من حيث الجدوى، ويطرح العديد من التساؤلات…
فالمواطن البسيط في المحمدية لا ينتظر مهرجان كناوة، بل ينتظر من يضيء زقاقه المظلم، وينظف شارعه، ويُعيد لمدينته بريقها المفقود.




