الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

المحمدية: “الأرنب” يركض قبل انطلاق السباق… فأين العامل؟

ضربة قلم

معلوم أن عدداً من الأحزاب السياسية المغربية، شرع منذ مدة في الإعلان عن مرشحيه المحتملين بمختلف المدن والجهات، استعداداً للاستحقاقات المقبلة، التي لم يعد يفصلنا عنها سوى بعض الوقت. غير أن ما يجري بمدينة المحمدية يبدو مختلفاً بعض الشيء، إلى درجة تجعل المتابع يتساءل، إن كنا فعلاً أمام حزب سياسي يستعد للمنافسة الديمقراطية، أم أمام نادٍ مغلق، قرر الدخول في سباق انتخابي مبكر جداً، وبطريقة تكاد تخرج عن المألوف.

فمنذ أسابيع، لم يتوقف هذا “النادي السياسي” عن التحرك في كل الاتجاهات، وكأن موعد الاقتراع، سيجري غداً صباحاً. الهواتف النقالة لا تهدأ، وصفحات الفيسبوك، تحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات انتخابية مفتوحة أربعاً وعشرين ساعة على أربع وعشرين، والمنشورات تتقاطر بكثافة، والصور تُنشر بالجملة، والتعليقات تُنسق بعناية، واللقاءات تُسوّق، كما لو أننا في قلب الحملة الرسمية، لا قبلها بوقت طويل.

بل إن المتابع، قد يشعر أحياناً أن بعض المتحمسين، لم يتركوا وسيلة ممكنة للترويج إلا واستعملوها، حتى بدا الأمر، وكأنهم يبحثون عن آخر فرصة لجر المواطنين إلى الحديث عن مرشحهم المفضل، في حملة سابقة لأوانها، تكاد تلامس حدود الهوس السياسي. ولم يعد ينقص سوى “التعوريط” بشكل مباشر وصريح، حتى تكتمل الصورة وتصبح الأمور أوضح، من الشمس في عز الظهيرة.

والأغرب من كل ذلك أن هذا الاستنفار المحموم، يجري لفائدة شخص يبدو أنه اختار منذ زمن سياسة النعامة، يدفن رأسه في الرمال معتقداً أن الأنظار لا ترى مؤخرته. فبينما يروج له أنصاره باعتباره “الأرنب” القادر على قلب الموازين وصناعة المفاجأة الكبرى، يرى كثيروووون أن كثرة الضجيج، لا تعني بالضرورة وجود زخم حقيقي، وأن الحملات المكثفة لا تستطيع دائماً تعويض غياب القناعة لدى الناخبين.

فبعيداً عن فقاعات الفيسبوك، وضوضاء العالم الافتراضي، تبدو الصورة أقل بريقاً بكثير مما يحاول البعض تسويقها. فليست كل صورة جماعية دليلاً على الشعبية، وليست كل عبارة مديح مؤشراً على التأييد، كما أن كثرة المكالمات واللقاءات والاجتماعات لا تتحول تلقائياً إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع. ولعل أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المرشحين، هي الخلط بين الحضور الرقمي والحضور الحقيقي، وبين التصفيق الإلكتروني والثقة الشعبية.

ففي النهاية، لا الفيسبوك يصوت، ولا الهاتف يضع الورقة في الصندوق، ولا المنشورات تحسم النتائج. وحده المواطن يفعل ذلك، وغالباً ما يفعل عكس ما يتوقعه أولئك الذين يصدقون أن الضجيج الإعلامي، قادر على صناعة انتصار انتخابي من العدم. ولذلك، قد يكتشف هذا “الأرنب” يوم الحقيقة أن السباق الذي ظن أنه يتصدره، لم يكن سوى جولة استعراضية، وأن الناخبين كانوا يتابعون المشهد من بعيد بابتسامة ساخرة، في انتظار لحظة الفرز التي تكشف الأحجام الحقيقية، بعيداً عن الأوهام المنتفخة بالدعاية.

فالسياسة ليست مسابقة في عدد المنشورات ولا في حجم الدعاية المبكرة، وإنما امتحان حقيقي، يوم يقرر المواطن وضع ورقته داخل الصندوق. وهناك فرق كبير بين التصفيق في الفضاء الافتراضي وبين منح الثقة في الواقع. وكم من مرشح اعتقد أنه اكتسح الساحة، لأنه احتل الشاشات والصفحات، قبل أن يكتشف يوم الفرز أن النتائج، كانت أقل بكثير من الأحلام التي رسمها له المقربون والمتحمسون.

لهذا، فإن كل هذا الاستعراض المبكر، قد يتحول في النهاية، إلى عبء أكثر منه مكسباً، لأن رفع سقف التوقعات بشكل مبالغ فيه يجعل السقوط أكثر إيلاماً عندما تظهر الأرقام الحقيقية. ومن يدري؟ فقد يجد هذا “الأرنب” نفسه، بعد كل ذلك الصخب والضجيج والحملات غير المعلنة، يتكردع سياسياً مع الأوائل من الصفوف الأخيرة، ويكتشف أن الضوضاء شيء، وثقة الناخبين شيء آخر تماماً.

فالانتخابات لا تُحسم بالهواتف الذكية، ولا بعدد المنشورات الممولة أو غير الممولة، ولا بحماس الدوائر الضيقة، وإنما تُحسم عندما يتوجه المواطن البسيط إلى صندوق الاقتراع ويقرر، في صمت تام، من يستحق صوته ومن لا يستحقه. وعندها فقط يسقط المكياج الانتخابي وتظهر الأحجام الحقيقية للجميع.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح وسط كل هذا الحراك الانتخابي المبكر: أين عامل المحمدية من كل ما يجري؟ فإذا كانت السلطات المحلية، تتوفر على أجهزة وآليات للرصد والمتابعة، ويقال إن مخابراتها، تعرف أدق التفاصيل المتعلقة بالحياة اليومية للمواطنين، بل ويُبالغ البعض بالقول إنها تعرف حتى كم مرة يتنفس المواطن في الدقيقة الواحدة، فكيف لها ألا تلاحظ هذا الاستنفار السياسي المتواصل الذي يدور أمام الجميع؟ وكيف يمكن تفسير هذا الصمت أمام أنشطة، يراها كثيرون أقرب إلى حملة انتخابية سابقة لأوانها منها إلى مجرد عمل سياسي عادي؟ إنها أسئلة يطرحها الشارع المحمدي، في انتظار أجوبة قد تأتي… أو قد تبقى معلقة إلى حين ظهور نتائج الصناديق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.