الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المحمدية: الخمور تُباع علناً.. والزبون يُطارد عند الخروج

ضربة قلم

في المغرب، لا أحد يجهل أن قنينات الخمر، لا تُباع في الأزقة الخلفية فقط، بل تُعرض تحت أضواء “النيون” في الأسواق الممتازة، وتُرصّ على الرفوف بعناية في متاجر معروفة، وتُقدَّم بابتسامة رسمية في مطاعم مصنّفة وحانات مرخّصة. مشهد يكاد يبدو عادياً، بل مألوفاً، إلى درجة أن المستهلك، لا يشعر أنه يقوم بفعل “استثنائي”، بل مجرد زبون في سوق مفتوح، يؤدي ثمن سلعة… ومعها ضرائب ثقيلة تنعش خزينة الدولة.

هنا تبدأ المفارقة التي تستحق الوقوف عندها طويلاً: الدولة التي تغض الطرف عن البيع، بل وتستفيد منه مالياً، تعود لتشدد الخناق على الاستهلاك في لحظات معينة، وكأنها تقول للمواطن: “اشرب… ولكن لا تدعنا نراك”. والنتيجة؟ منطقة رمادية واسعة، لا هي حلال بالكامل، ولا هي ممنوعة بشكل صريح، بل مزيج من الترخيص الضمني والعقاب الانتقائي.

من الناحية القانونية، المشرّع المغربي، حاول أن يضع حدوداً واضحة، فميّز بين حالتين لا ثالث لهما:
الأولى هي “السُّكر البَيِّن”، حيث يفقد الشخص توازنه، ويظهر عليه أثر الكحول، بشكل واضح من خلال تصرفاته وكلامه وحركته. هنا يصبح التدخل الأمني مفهوماً، لأن الأمر يتعلق بالإخلال بالنظام العام، وربما تعريض النفس والغير للخطر.
أما الحالة الثانية فهي “السُّكر العلني”، أي استهلاك الخمر، أمام العموم بشكل فجّ، في الشارع أو الأماكن المفتوحة، وهو أيضاً سلوك يندرج ضمن ما يعتبره القانون مساساً بالآداب العامة.

لكن ما بين هاتين الحالتين، توجد منطقة شاسعة من التأويل… وهنا تبدأ الحكايات التي تُروى في المقاهي، أكثر مما تُكتب في المحاضر.

في بعض المدن، ومنها المحمدية، تتحول بعض الدوريات الأمنية إلى ما يشبه “لجنة استقبال” غير رسمية أمام الحانات. لا تنتظر مشهداً صاخباً ولا شجاراً، ولا حتى شخصاً يترنح، بل يكفي أن تخرج من الباب، حتى تجد نفسك محاطاً بنظرات تفحصك: هل أنت سكران؟ هل تمشي بشكل “مريب”؟ هل يمكن أن نلصق بك إحدى التهم الجاهزة؟

والطريف المبكي، أن بعض من يُوقَفون، قد لا يكونون شربوا أصلاً، بل دخلوا لقضاء حاجة عابرة، أو لمجرد مرافقة صديق. لكن في منطق “الصيد السريع”، التفاصيل لا تهم كثيراً. المهم أن هناك محضراً، يجب أن يُملأ، وعدداً يجب أن يُسجَّل.

هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام تطبيق للقانون، أم أمام مزاج في تطبيق القانون؟

لأن القانون، كما هو مكتوب، لا يعاقب على مجرد الخروج من حانة، ولا على رائحة قد تُفهم أو تُتوهَّم، بل يتحدث عن حالات واضحة ومحددة. لكن حين يتحول النص إلى أداة مرنة، تُشدّ وتُرخى حسب الظرف، يصبح المواطن في حالة قلق دائم، لا يعرف متى يكون في وضع قانوني سليم، ومتى يتحول فجأة إلى “متهم محتمل”.

الأمر لا يتعلق بالدفاع عن استهلاك الخمر، ولا بتشجيعه، فذلك نقاش آخر له أبعاده الدينية والاجتماعية والصحية. بل يتعلق بالوضوح القانوني والإنصاف في التطبيق. لأن الدولة، حين تقبل ببيع منتج، وتستفيد من ضرائبه، تصبح مطالَبة على الأقل بضمان حد أدنى من الاتساق في التعامل مع مستهلكيه.

أما أن يتحول المستهلك إلى “كبش فداء” في صراعات خفية، أو في حملات موسمية، أو حتى في تصفية حسابات غير معلنة مع أصحاب محلات… فذلك يفتح الباب أمام شعور عام بالظلم، وهو أخطر من أي مخالفة في حد ذاتها.

في النهاية، يبقى المشهد المغربي في هذا الملف أقرب إلى مسرحية ذات فصلين:
في الأول، تُفتح الأبواب وتُعرض القنينات وتُحصَّل الضرائب.
وفي الثاني، تُنصب الكمائن ويُطارد الخارجون… ولو كانوا في كامل وعيهم.

وبين الفصلين، يقف المواطن حائراً، لا يدري هل هو زبون مرحّب به… أم متهم مؤجل التنفيذ.

ملاحظة: الصورة تعبيرية ولا صلة لها بالواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.